علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
رأس المال لا يحب الفوضى. هذه قاعدة تكاد تكون بديهية في عالم الاستثمار. الشركات تبحث عن الأسواق المستقرة. وتحسب مخاطر الحرب والاضطراب قبل أن تحسب حجم الأرباح. ولذلك يبدو دخول رؤوس الأموال إلى بلد يعيش توترات أمنية وسياسية متكررة أمرًا يحتاج إلى تفسير.
من هذه الزاوية يلفت اتفاق استعادة خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس الذي أُعلن عنه في واشنطن في يوليو 2026 الانتباه. المشروع لا يتعلق بأنبوب نفطي فقط. إنه يرتبط بخريطة جديدة لحركة الطاقة في المنطقة. وإذا صح أن الخط يمكن أن ينقل مئات آلاف البراميل يوميًا وصولًا إلى مليوني برميل في بعض السيناريوهات. فإن قيمته تتجاوز الجانب التجاري إلى الحسابات الجيوسياسية التي تحكم طرق تصدير الطاقة.
المسار المقترح يضيف طريقًا يتجاوز مضيق هرمز. وهذه نقطة استراتيجية بحد ذاتها. فكل مشروع يقلل اعتماد حركة النفط على ممر بحري شديد الحساسية يكتسب قيمة تتجاوز قيمة الأنابيب ومحطات الضخ. إنه يعيد توزيع المخاطر في سوق الطاقة. ويمنح العراق وسوريا موقعًا مختلفًا داخل شبكة النقل الإقليمية.
سوريا أيضًا لن تكون مجرد دولة عبور. فمرور النفط عبر أراضيها يعني رسومًا وإيرادات ودورًا اقتصاديًا جديدًا. وهذا يضع المشروع في سياق إعادة تشكيل الشرق الأوسط الذي تغيرت خرائطه السياسية والأمنية خلال السنوات الأخيرة.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو لماذا تبدو واشنطن مستعدة للدخول بهذه القوة في مشاريع طويلة الأجل داخل بيئة لا تزال شديدة الاضطراب.
التفسير البسيط يقول إن الشركات الأمريكية تبحث عن الربح. وهذا تفسير منطقي. النفط العراقي يمثل فرصة هائلة. والبنية التحتية العراقية تحتاج إلى استثمارات كبيرة. والشركات الأمريكية تملك الخبرة والقدرة التمويلية والتقنية التي تسمح لها بالحصول على عقود طويلة الأمد.
هناك تفسير آخر أكثر سياسية. وهو أن الاستثمار لا يأتي منفصلًا عن البيئة الأمنية التي يحتاجها.
أي خط أنابيب بهذا الحجم يحتاج إلى حماية. وأي استثمار كبير في العراق يحتاج إلى بيئة تستطيع الشركات أن تعمل فيها لسنوات دون تهديدات أو اضطرابات. وهذه الحقيقة تجعل الأمن جزءًا من المعادلة الاقتصادية. وحين يصبح الأمن شرطًا لتنفيذ الاستثمار. يصبح السؤال عن الجهة التي تحدد تعريف الأمن أكثر أهمية من السؤال عن حجم الاستثمار نفسه.
هنا يدخل ملف سلاح الفصائل العراقية.
واشنطن تكرر منذ سنوات أن وجود جماعات مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة يمثل خطرًا على الاستقرار وعلى القوات والمصالح الأمريكية. وقد تعرضت القوات الأمريكية في العراق والمنطقة لهجمات متكررة خلال السنوات الماضية. ومن الطبيعي أن تنظر الولايات المتحدة إلى هذه الجماعات باعتبارها مصدر تهديد مباشر لمصالحها.
لكن تحويل هذه الحقيقة إلى تفسير شامل لكل مشكلات الاستثمار والاستقرار يحتاج إلى قدر من التدقيق.
الشركات الأمريكية تعمل في العراق منذ سنوات. وشركات الطاقة والكهرباء والخدمات المرتبطة بها دخلت السوق العراقية في مراحل مختلفة رغم وجود السلاح والفصائل والتوترات السياسية. كثير من المشاريع الكبرى استطاعت العمل في بيئات أمنية معقدة عندما توافرت لها الترتيبات الأمنية والضمانات السياسية المطلوبة.
وهذا يطرح احتمالًا مختلفًا.
ربما لا يمثل سلاح المقاومة تهديدًا للمشروع الاقتصادي الأمريكي بالمعنى المباشر. ربما يمثل تهديدًا لنفوذ سياسي أوسع تريد واشنطن أن تضمنه حول هذه المشاريع.
وهنا يصبح الفرق مهمًا.
هناك فرق بين حماية شركة تعمل في حقل نفطي وبين إعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية التي تعمل داخلها هذه الشركة. الأولى مسألة أمنية يمكن التعامل معها بترتيبات محددة. الثانية تعني تغيير موازين القوى داخل الدولة.
وفي تقديري. هذه النقطة هي التي تستحق أكبر قدر من الاهتمام عند قراءة السياسة الأمريكية في العراق.
المشكلة بالنسبة إلى واشنطن قد لا تكون في وجود الشركات الأمريكية داخل العراق. فهذه الشركات موجودة أصلًا. وقد لا تكون المشكلة في قدرتها على العمل في بيئة أمنية معقدة. فقد أثبتت التجربة أن الشركات تستطيع العمل عندما تتوافر لها الحماية والتفاهمات اللازمة.
المشكلة تبدو أوسع. وجود قوة مسلحة تمتلك قرارًا مستقلًا نسبيًا يعني وجود لاعب قادر على التأثير في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية. وهذا اللاعب يستطيع أن يرفع كلفة أي مشروع أو قاعدة أو ترتيب أمني لا يحظى بقبوله.
لهذا يصبح نزع السلاح بالنسبة إلى واشنطن أكثر من ملف أمني. إنه جزء من إعادة ترتيب ميزان القوة داخل العراق.
إذا كانت هذه القراءة صحيحة. فإن ربط الاستثمار بالاستقرار الأمني قد يتحول إلى وسيلة ضغط سياسية. لا تحتاج الولايات المتحدة إلى القول صراحة إن المشروع لن ينفذ ما لم تتغير المعادلة الداخلية. يكفي أن تصبح الحماية الأمنية شرطًا مسبقًا للاستثمار. وأن يصبح الاستقرار تعريفًا سياسيًا أكثر منه مفهومًا أمنيًا محايدًا.
عندها يصبح العراق أمام معادلة شديدة الحساسية. كلما أراد جذب الاستثمارات الكبرى احتاج إلى بيئة مستقرة. وكلما حاول تحقيق هذه البيئة تحت ضغط خارجي قد يجد نفسه أمام سؤال السيادة. من يحدد شكل الاستقرار المطلوب. ومن يحدد القوى التي يجب أن تبقى داخل المعادلة والقوى التي يجب إخراجها منها.
هذا لا يعني أن الفصائل فوق الدولة. ولا يعني أن السلاح خارج المؤسسات يمكن أن يكون بديلًا عن الدولة. العراق يحتاج إلى دولة قادرة على احتكار قرار استخدام القوة وفق الدستور والقانون. لكن بناء هذه الدولة شيء. وتحويل ملف السلاح إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات السياسية بما يخدم مصالح خارجية شيء آخر.
وهنا تظهر إسرائيل في الصورة بصورة أكثر وضوحًا.
إسرائيل تنظر إلى العراق من زاوية مختلفة عن نظرة المستثمر الأمريكي. ما يهمها ليس فقط النفط أو البنية التحتية. وجود فصائل عراقية مسلحة تمتلك القدرة على تهديد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية يمثل بالنسبة إليها جزءًا من معادلة أمنية إقليمية أوسع.
ولهذا فإن إضعاف هذه الفصائل أو نزع سلاحها يمكن أن يُقرأ داخل الاستراتيجية الإسرائيلية بوصفه أكثر من شأن عراقي داخلي. إنه جزء من تقليص قدرة محور المقاومة على الحركة في الإقليم.
وهنا يصبح مشروع الطاقة نفسه جزءًا من لوحة أكبر. العراق يريد تصدير نفطه عبر طرق جديدة. سوريا تريد استعادة موقعها في حركة الطاقة. الشركات الأمريكية تريد عقودًا واستثمارات. واشنطن تريد بيئة أكثر ملاءمة لمصالحها. وإسرائيل تريد إقليمًا أقل قدرة على إنتاج قوى مسلحة تهدد أمنها.
كل طرف يدخل الحساب من زاويته.
لكن المواطن العراقي هو الطرف الذي قد يدفع ثمن الصراع إذا تحولت هذه المصالح إلى مواجهة داخلية.
فإذا أدى الضغط على الفصائل إلى صدام مسلح. فإن المستثمر لن يكون أول الخاسرين فقط. الاقتصاد العراقي نفسه سيتعرض لضربة قاسية. مشاريع الطاقة ستتأخر. البنية التحتية ستتضرر. الثقة بالسوق ستنخفض. وسيتحمل المواطن آثارًا لا علاقة مباشرة له بتحديد من يملك السلاح ومن يجب أن يسلمه.
وإذا نجحت الحكومة في فرض نزع السلاح بالقوة. فإن السؤال التالي لن يكون أقل أهمية. ماذا سيأتي بعد ذلك. هل ستتحول الدولة إلى مؤسسة أكثر قوة واستقلالًا. أم أن الفراغ الذي يتركه أحد اللاعبين سيملؤه لاعب آخر أكثر قربًا من المصالح الأمريكية.
هذه هي النقطة التي تجعل الحديث عن الفوضى أكثر تعقيدًا من مجرد اتهام واشنطن بالسعي إليها.
قد لا تحتاج الولايات المتحدة إلى فوضى شاملة. الفوضى الكاملة تضر بالمصالح والاستثمارات. ما تحتاجه أي قوة كبرى هو بيئة يمكن التحكم بمساراتها. دولة مستقرة بما يكفي لحماية الاستثمارات. وضعيفة بما يكفي لعدم إنتاج قرار استراتيجي مستقل يناقض مصالحها.
هذا النوع من التوازن هو الأكثر خطورة على الدول التي تعاني أصلًا من هشاشة مؤسساتها.
العراق ليس بحاجة إلى أن يختار بين الاستثمار الأمريكي وسيادته. ولا بين الدولة والفصائل. ولا بين الطاقة والأمن. التحدي الحقيقي هو بناء دولة تستطيع أن تستفيد من الاستثمار الأجنبي دون أن تتحول مشاريع الاستثمار إلى أدوات لإعادة تشكيل قرارها السياسي.
ولهذا فإن أي اتفاق اقتصادي كبير يحتاج إلى سؤال سابق على قيمة المشروع وأرباحه. ما الذي سيحصل عليه العراق مقابل منح الشركات الأجنبية مساحة طويلة الأمد في قطاع استراتيجي. من يملك القرار في المشروع. كيف تحمى المنشآت. ومن يتحمل كلفة الحماية. وما الضمانات التي تمنع تحول الاستثمار إلى نفوذ سياسي.
المشكلة ليست في أن تستثمر أمريكا في العراق. العراق يحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستثمار مرتبطًا بإعادة ترتيب الداخل العراقي وفق تعريف خارجي للاستقرار.
وفي تقديري. الحديث عن أن الفصائل تهدد كل مشروع أمريكي في العراق يحتاج إلى مراجعة. الشركات الأمريكية عملت في البلاد خلال سنوات طويلة رغم وجود هذه الفصائل. وشركات النفط والطاقة تعرف كيف تدير مخاطر البيئة العراقية. لذلك يبدو أن جوهر الصراع أوسع من حماية أنبوب أو حقل نفطي.
الصراع يتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في العراق عندما تبدأ مرحلة إعادة رسم طرق الطاقة والتحالفات الأمنية في المنطقة.
إذا كان خط كركوك وبانياس جزءًا من شبكة جديدة تتجاوز هرمز. وإذا كانت الشركات الأمريكية تستعد لاستثمارات ضخمة. وإذا كانت واشنطن تربط الاستقرار بترتيبات أمنية جديدة. فإن العراق يدخل مرحلة لا ينبغي أن يقرأ فيها المشاريع الاقتصادية باعتبارها مشاريع اقتصادية فقط.
كل أنبوب له جغرافيا. وكل استثمار له سياسة. وكل طريق للطاقة يعيد توزيع النفوذ.
قد تكون الولايات المتحدة راغبة فعلًا في استقرار العراق لأن استثماراتها تحتاج إليه. وقد تكون في الوقت نفسه راغبة في إعادة تشكيل البيئة الأمنية التي يعمل فيها هذا الاستثمار. لا يوجد تناقض ضروري بين الأمرين.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الاستقرار اسمًا آخر لإعادة ترتيب الداخل العراقي وفق مصالح خارجية.
عندها قد لا تكون الفوضى هي الهدف. قد تكون مجرد نتيجة محتملة لعملية إعادة ترتيب لا تجد طريقًا هادئًا إلى التنفيذ.
وفي النهاية. لن يكون السؤال من استفاد من النفط العراقي فقط. السؤال الأهم سيكون من امتلك القدرة على رسم الطريق الذي يسلكه هذا النفط. ومن امتلك القدرة على تحديد من يحميه. ومن دفع ثمن الصراع الذي قد ينشأ حوله.
وهنا يعود المواطن إلى قلب المشهد. فالمشروع الذي يفترض أن يفتح طريقًا جديدًا للنفط يجب أن يفتح معه طريقًا جديدًا للاستقرار والتنمية. وإذا تحول إلى مدخل لصراع داخلي على السلاح والنفوذ. فقد يجد العراقي نفسه أمام معادلة قاسية. نفط أكثر حركة. واستثمارات أكبر. لكن دولة أكثر انقسامًا.
وهذه ليست معادلة نجاح يمكن للعراق أن يقبل بها.

