بغداد | تحليل سياسي
لم تنتهِ تداعيات غزو الكويت بانسحاب القوات العراقية في شباط/فبراير 1991، بل دخل العراق مرحلة جديدة اتسمت بالعقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية، لتصبح سنوات التسعينيات واحدة من أكثر الفترات صعوبة في تاريخه الحديث. فقد أدت قرارات مجلس الأمن الدولي إلى فرض حصار اقتصادي شامل، انعكس على مختلف جوانب الحياة، من الاقتصاد والخدمات إلى الصحة والتعليم والبنية التحتية، واستمرت آثاره حتى عام 2003.
العقوبات الدولية.. بداية مرحلة جديدة
بعد الغزو مباشرة، فرض مجلس الأمن الدولي بموجب القرار (661) في السادس من آب/أغسطس 1990 عقوبات اقتصادية وتجارية شاملة على العراق، تضمنت حظر استيراد وتصدير معظم السلع، وتجميد الأصول المالية، ومنع التعاملات التجارية، باستثناء المساعدات الإنسانية في حدود ضيقة.
وعقب انتهاء حرب الخليج، صدر القرار (687) عام 1991، الذي ربط رفع العقوبات بتنفيذ العراق التزاماته المتعلقة بنزع أسلحة الدمار الشامل، وقبول عمل فرق التفتيش الدولية، والوفاء بالتعويضات المترتبة على غزو الكويت. ونتيجة لذلك، بقيت العقوبات سارية طوال عقد التسعينيات.
الاقتصاد تحت ضغط غير مسبوق
كان الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط، ومع توقف الصادرات بسبب العقوبات، تراجعت الإيرادات الحكومية بشكل حاد، ما انعكس على قدرة الدولة في تمويل الرواتب والمشاريع والخدمات العامة.
كما تعرض القطاع الصناعي إلى شلل واسع بسبب صعوبة استيراد المواد الأولية وقطع الغيار، فيما واجه القطاع الزراعي تحديات كبيرة نتيجة نقص الأسمدة والمبيدات والمعدات الحديثة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإنتاج المحلي.
وتراجعت قيمة الدينار العراقي بصورة كبيرة خلال التسعينيات، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وانخفاض مستويات الدخل الحقيقي، واتساع رقعة الفقر.
تدهور الخدمات العامة
لم يقتصر تأثير العقوبات على الاقتصاد، بل امتد إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية.
فقد واجه قطاع الكهرباء صعوبات كبيرة في إعادة تأهيل المحطات المتضررة خلال الحرب، بسبب القيود المفروضة على استيراد المعدات وقطع الغيار، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات مستمرة في التيار الكهربائي.
كما تأثرت شبكات المياه والصرف الصحي، وتراجعت كفاءة المستشفيات والمراكز الصحية، نتيجة نقص الأجهزة الطبية والأدوية والمستلزمات العلاجية، وهو ما وثقته تقارير متعددة صادرة عن الأمم المتحدة خلال تلك الفترة.
أما قطاع التعليم، فقد شهد تراجعاً في مستوى الخدمات، نتيجة نقص المستلزمات التعليمية، وضعف مخصصات الصيانة والتطوير، وتراجع القدرة الشرائية للعاملين في القطاع.
برنامج النفط مقابل الغذاء
مع تزايد المخاوف الدولية بشأن الأوضاع الإنسانية، اعتمد مجلس الأمن القرار (986) عام 1995، الذي أطلق برنامج “النفط مقابل الغذاء”، ودخل حيز التنفيذ عام 1996.
أتاح البرنامج للعراق بيع كميات محددة من النفط، على أن تودع العائدات في حساب تشرف عليه الأمم المتحدة، وتخصص لشراء المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات الإنسانية، إضافة إلى تمويل بعض الالتزامات الدولية، ومن بينها التعويضات المقررة للكويت.
ورغم أن البرنامج ساهم في تحسين توافر الغذاء والدواء مقارنة بالسنوات الأولى من الحصار، فإنه لم ينهِ الأزمة الاقتصادية، إذ بقيت القيود المفروضة على قطاعات عديدة تحد من إعادة إعمار البنية التحتية واستعادة النشاط الاقتصادي بصورة كاملة.
التعويضات الدولية
بعد انتهاء الحرب، أُنشئت لجنة الأمم المتحدة للتعويضات للنظر في مطالبات الأفراد والشركات والدول المتضررة من الغزو.
واعتمدت اللجنة على نسبة من عائدات صادرات النفط العراقية لتمويل التعويضات، واستمرت عملية السداد سنوات طويلة، قبل أن تعلن الأمم المتحدة في عام 2022 استكمال العراق دفع كامل التعويضات المقررة للكويت، منهيةً أحد أبرز الملفات التي ترتبت على غزو عام 1990.
التحولات الاجتماعية
أثرت العقوبات في البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي، إذ ارتفعت معدلات البطالة، واتجهت شرائح واسعة إلى الأعمال غير الرسمية لتأمين مصادر دخل بديلة.
كما دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة كثيراً من الكفاءات العلمية والأكاديمية إلى الهجرة، في حين واجهت الأسر تحديات متزايدة في توفير الاحتياجات الأساسية، مع تراجع مستويات المعيشة واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار.
العراق حتى عام 2003
استمرت العقوبات الدولية طوال عقد التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، بالتوازي مع استمرار عمليات التفتيش الدولية الخاصة ببرامج التسلح.
وفي آذار/مارس 2003، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا، بمشاركة قوات من دول أخرى، عملية عسكرية أدت إلى إسقاط النظام العراقي، لتنتهي بذلك مرحلة العقوبات الدولية بصيغتها السابقة، إلا أن العراق دخل بعدها مرحلة جديدة اتسمت بتحديات أمنية وسياسية واقتصادية مختلفة.
قراءة تحليلية
تكشف تجربة غزو الكويت وما أعقبها أن القرارات العسكرية قد تترك آثاراً تمتد لعقود. فقد غيّر الغزو موقع العراق الإقليمي والدولي، وأدى إلى حرب واسعة، ثم إلى عقوبات اقتصادية طويلة أثرت في الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة.
وفي المقابل، مثل تحرير الكويت محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، ورسخ مبدأ رفض تغيير الحدود بالقوة في النظام الدولي، كما عزز دور مجلس الأمن في إدارة الأزمات الدولية.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت تلك المرحلة تشكل محوراً مهماً في الدراسات السياسية والاقتصادية، لما خلفته من آثار على الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والعلاقات الدولية، والتنمية داخل العراق. كما تبقى التجربة مثالاً على الترابط الوثيق بين القرارات السياسية والنتائج الاقتصادية والإنسانية، وعلى أن كلفة الصراعات المسلحة لا تقتصر على سنوات الحرب، بل قد تمتد آثارها لأجيال كاملة.

