في الذكرى الثانية عشرة للإبادة الإيزيدية.. سنجار نايٌ ينزفُ وعدالةٌ تفتشُ عن أصحابها

بغداد | شبكة إنماز نيوز

في الثالث من آب من كل عام، يقف العراقيون أمام واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخهم الحديث، مستذكرين الإبادة الجماعية التي تعرض لها المكون الإيزيدي على يد تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، في جريمة هزّت ضمير العالم وتركت آثارًا إنسانية واجتماعية ونفسية ما زالت ممتدة حتى اليوم.

ففي مثل هذا اليوم قبل اثني عشر عامًا، اجتاح عناصر التنظيم الإرهابي قضاء سنجار غرب محافظة نينوى، مستغلين حالة الانهيار الأمني التي شهدتها مناطق واسعة من العراق آنذاك، ليبدأ فصلًا من أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين خلال القرن الحادي والعشرين.

لم يكن ما حدث مجرد هجوم عسكري، بل حملة منظمة استهدفت وجود الإيزيديين وهويتهم الدينية والثقافية، إذ نفذ التنظيم عمليات قتل جماعي بحق الرجال والشباب، فيما اختطف آلاف النساء والأطفال، وتعرضت النساء والفتيات إلى الاستعباد الجنسي والاتجار بالبشر، بينما جرى تجنيد الأطفال قسرًا وإخضاعهم لبرامج فكرية وعسكرية متشددة.

وأمام زحف التنظيم الإرهابي، اضطر عشرات الآلاف من أبناء المكون الإيزيدي إلى الفرار نحو جبل سنجار، حيث عاشوا أيامًا عصيبة تحت درجات حرارة مرتفعة ومن دون ماء أو غذاء أو دواء، وسط حصار خانق هدد حياتهم، قبل أن تنجح عمليات إنسانية وعسكرية في فتح ممرات آمنة وإنقاذ الآلاف منهم.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن آلاف الإيزيديين قُتلوا خلال الأيام الأولى للهجوم، بينما اختُطف أكثر من ستة آلاف امرأة وطفل ورجل، ولا يزال عدد من المختطفين والمفقودين مجهول المصير حتى اليوم، رغم مرور أكثر من عقد على الجريمة.

كما كشفت التحقيقات عن العثور على عشرات المقابر الجماعية في محيط سنجار والمناطق المجاورة، والتي ضمت رفات مئات الضحايا الذين أعدمهم التنظيم بصورة جماعية، ولا تزال عمليات فتح المقابر والتعرف على الهويات مستمرة بمشاركة فرق عراقية ودولية متخصصة.

وفي عام 2016، خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أن تنظيم داعش ارتكب جريمة إبادة جماعية بحق الإيزيديين، وهي التوصيفات التي تبنتها لاحقًا دول وبرلمانات ومحاكم عدة، في اعتراف دولي بأن ما جرى لم يكن مجرد انتهاكات حرب، بل جريمة استهدفت القضاء على جماعة دينية بأكملها.

وشكل الحكم الصادر عن القضاء الألماني عام 2021 ضد أحد عناصر تنظيم داعش، بتهمة ارتكاب الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين، محطة قانونية مهمة، إذ عُدّ أول حكم قضائي في العالم يدين أحد أفراد التنظيم بهذه الجريمة وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.

وعلى الصعيد العراقي، أقر مجلس النواب قانون الناجيات الإيزيديات، الذي يهدف إلى إنصاف النساء الناجيات وغيرهن من ضحايا الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، من خلال توفير التعويضات المالية والرعاية الصحية والنفسية وإعادة التأهيل وضمان الحقوق الاجتماعية.

ورغم انتهاء الوجود العسكري لتنظيم داعش الإرهابي في العراق، فإن آثار الجريمة ما زالت حاضرة بقوة في سنجار، التي تعرضت بناها التحتية إلى دمار واسع، فيما ما يزال آلاف النازحين يقيمون داخل المخيمات أو في مناطق نزوح أخرى، بسبب تعقيدات أمنية وخدمية وسياسية حالت دون عودتهم الكاملة إلى مناطقهم الأصلية.

وتؤكد منظمات دولية أن ملف إعادة إعمار سنجار لا يزال يواجه تحديات كبيرة، تشمل إعادة الخدمات الأساسية، وإزالة مخلفات الحرب، وتأمين الاستقرار الأمني، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه، فضلًا عن خلق فرص عمل تشجع العائلات على العودة.

أما الجانب النفسي، فيمثل واحدًا من أصعب الملفات، إذ خلفت سنوات الأسر والاستعباد والقتل الجماعي آثارًا عميقة على آلاف النساء والأطفال، الذين يحتاجون إلى برامج طويلة الأمد للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة الاندماج داخل المجتمع.

كما لا يزال ملف المفقودين يشكل هاجسًا لعشرات العائلات الإيزيدية، التي تواصل البحث عن أبنائها منذ عام 2014، فيما تستمر الجهات المختصة بالتعاون مع المجتمع الدولي في جهود البحث عن المختطفين والكشف عن المقابر الجماعية والتعرف على الضحايا عبر فحوص الحمض النووي.

وفي كل عام، تتحول ذكرى الثالث من آب إلى مناسبة لتجديد الدعوات إلى تحقيق العدالة وعدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، مع التأكيد على أهمية توثيق ما جرى وحفظ الذاكرة الوطنية، لمنع تكرار مثل هذه الجرائم بحق أي مكون من مكونات الشعب العراقي.

ويرى مختصون في القانون الدولي أن الاعتراف بالإبادة الجماعية لا يكتمل إلا باستكمال مسارات العدالة الانتقالية، ومحاسبة جميع المتورطين، وإنصاف الضحايا، وتعويضهم، وضمان عودة النازحين بصورة آمنة وكريمة، بما يعزز السلم الأهلي ويحافظ على التنوع الديني والقومي الذي يمتاز به العراق.

لقد مثلت مأساة الإيزيديين اختبارًا صعبًا للمجتمع الدولي، وأعادت طرح تساؤلات عميقة حول مسؤولية حماية المدنيين ومنع جرائم الإبادة الجماعية، فيما أكدت التجربة أن مواجهة الفكر المتطرف لا تقتصر على الجهد الأمني، بل تتطلب ترسيخ ثقافة التعايش، واحترام التنوع، وتعزيز سيادة القانون.

وبعد اثني عشر عامًا، ما تزال صور الأطفال والنساء الذين افترشوا سفوح جبل سنجار، والمقابر الجماعية التي اكتُشفت تباعًا، وقصص الناجيات اللواتي تحررن من قبضة التنظيم، حاضرة في ذاكرة العراقيين والعالم، بوصفها شاهدًا على واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في العصر الحديث.

وفي هذه الذكرى، تتجدد المطالب بإغلاق هذا الملف من خلال تحقيق العدالة الكاملة، والكشف عن مصير جميع المفقودين، واستكمال إعمار سنجار، وضمان العودة الطوعية والكريمة للنازحين، وترسيخ مبادئ المواطنة وحماية جميع المكونات العراقية، حتى لا تتكرر مأساة الثالث من آب مرة أخرى.