علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
ليست كل أزمات الرواتب متشابهة. فالدول النفطية اعتادت أن تواجه ضغوطاً مالية كلما انهارت أسعار النفط أو تعرضت صادراتها لاضطرابات مفاجئة. وكان تفسير الأزمة في كل مرة يبدو واضحاً. الإيرادات تنخفض. فتتراجع قدرة الدولة على الإنفاق.
غير أن ما يواجهه العراق اليوم مختلف في طبيعته. فسعر النفط ما زال عند مستويات تمنح الدول المنتجة إيرادات كبيرة نسبياً. ومع ذلك عاد ملف الرواتب إلى الواجهة بوصفه أكثر الملفات حساسية. وهذا وحده يكفي لطرح سؤال يتجاوز الأزمة الراهنة. كيف يمكن لدولة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم أن تواجه أزمة سيولة في وقت لا يعيش فيه سوق الطاقة انهياراً حقيقياً.
الجواب لا يبدأ من وزارة المالية. ولا من سعر البرميل. وإنما من النموذج الاقتصادي والسياسي الذي تشكل على امتداد أكثر من عقدين. فقد بني هذا النموذج على فرضية واحدة. أن النفط سيظل يتدفق دائماً. وأن الجغرافيا ستبقى آمنة بما يكفي لوصوله إلى الأسواق العالمية.
لكن الجغرافيا لا تمنح مثل هذه الضمانات.
التوترات التي تشهدها المنطقة اليوم. واحتمالات تعطل الملاحة في الخليج أو مضيق هرمز. أعادت التذكير بحقيقة غابت عن كثير من السياسات الاقتصادية. فالثروة النفطية لا تساوي شيئاً إذا تعذر تصديرها. والدولة التي تعتمد في تمويل إنفاقها على منفذ استراتيجي واحد. تجعل استقرارها المالي رهينة لأي تغير عسكري أو سياسي يقع خارج حدودها.
كان يفترض أن يقود هذا الإدراك إلى بناء بدائل استراتيجية منذ سنوات طويلة. توسيع خطوط التصدير. تطوير المنافذ البرية. الاستثمار في طاقات التخزين. وتنويع مصادر الدخل الوطني بحيث لا يصبح تأخر ناقلة نفط سبباً في قلق ملايين الأسر. غير أن ما حدث سار في اتجاه مختلف تماماً.
كلما ارتفعت الإيرادات النفطية. ارتفع معها الإنفاق التشغيلي. وكلما اقتربت دورة انتخابية جديدة. اتسعت وعود التعيينات. ومع مرور الوقت تحولت الوظيفة الحكومية من وسيلة لإدارة مؤسسات الدولة إلى أداة لإدارة التوازنات السياسية. فالكثير من التعيينات لم يكن يستند إلى حاجة فعلية للمؤسسات. وإنما إلى ضرورات التوافقات الحزبية. وامتصاص الضغوط الاجتماعية. وبناء قواعد انتخابية جديدة.
وهكذا أصبح الاقتصاد يتحرك وفق معادلة معكوسة. بدلاً من أن ينمو الإنتاج فتزداد فرص العمل. كانت فرص العمل الحكومية تتوسع لتعوض ضعف الإنتاج. وبدلاً من أن يقود الاستثمار إلى تشغيل الشباب. أصبحت الموازنة هي رب العمل الأكبر في البلاد.
المشكلة لم تكن في تعيين الأطباء أو المعلمين أو المهندسين الذين تحتاج إليهم الدولة. فهذه حاجة طبيعية في أي نظام إداري. إنما في تحويل التوظيف إلى أداة سياسية دائمة. لأن الوظيفة التي تمنح لإرضاء توازن سياسي تتحول إلى التزام مالي يمتد لعقود. بينما يبقى مصدر تمويلها مرتبطاً بسلعة واحدة تخضع لتقلبات الأسواق والجغرافيا معاً.
ولم يكن تضخم فاتورة الإنفاق نتيجة التعيينات وحدها. فقد أسهم النموذج السياسي القائم على المحاصصة في إنتاج بنية إدارية تتجاوز في كثير من الأحيان الحاجة الفعلية للدولة. فمع كل دورة سياسية توسعت الدرجات الخاصة. وتعددت الهيئات والمؤسسات. وازدادت كلف المناصب العليا وما يرتبط بها من مخصصات وامتيازات وحمايات ومواكب إدارية. كما بقيت مؤسسات مثل مجالس المحافظات محل نقاش دائم بشأن الكلفة التي تفرضها على الموازنة مقارنة بما تضيفه من قيمة إلى الإدارة المحلية. ويضاف إلى ذلك الرواتب والامتيازات المرتفعة المخصصة لأعضاء مجلس النواب والرئاسات العليا وما يرتبط بها من نفقات تشغيلية. وهي جميعاً تشكل جزءاً من الإنفاق الذي يتراكم عاماً بعد آخر ويستنزف الموارد العامة.
ولا يتعلق الأمر بحجم هذه البنود منفردة بقدر ما يتعلق بالفلسفة التي تحكمها. فالدولة التي تطلب من المجتمع تقبل إجراءات التقشف مطالبة في الوقت نفسه بمراجعة كل حلقات الإنفاق التي لا تضيف قيمة اقتصادية أو خدمية حقيقية. لأن الإصلاح المالي يبدأ من الدولة قبل أن يصل إلى المواطن.
وتكشف المقارنات الدولية حجم الفارق في فلسفة إدارة سوق العمل. فالولايات المتحدة التي يزيد عدد سكانها على نحو ثلاثمئة وأربعين مليون نسمة. يعمل في الحكومة الفيدرالية المدنية فيها قرابة مليونين وثلاثمئة ألف موظف. بينما يعتمد الجزء الأكبر من سوق العمل على القطاع الخاص. وحتى عند احتساب موظفي الولايات والحكومات المحلية. يبقى التوظيف مرتبطاً بالحاجة المؤسسية والخدمة العامة. وليس بسياسات موسمية لمعالجة البطالة أو تعزيز الشعبية السياسية.
والصين التي يزيد عدد سكانها على مليار وأربعمئة مليون نسمة. يقدر عدد العاملين في الخدمة المدنية فيها بنحو سبعة إلى ثمانية ملايين موظف. في حين تستوعب الصناعة والشركات والاقتصاد الإنتاجي مئات الملايين من العاملين. فالنمو الاقتصادي هناك لم يبن على تضخم الجهاز الحكومي. وإنما على تضخم الاقتصاد نفسه.
الفارق بين هذه التجارب والعراق لا يكمن في عدد السكان. وإنما في وظيفة الدولة. فالدول المنتجة تستخدم الوظيفة الحكومية لإدارة الدولة. بينما تلجأ الاقتصادات الريعية إلى استخدامها لمعالجة البطالة. والفارق بين النموذجين لا يقاس بعدد الموظفين. وإنما بسبب وجودهم.
وكان العراق يمتلك فرصة تاريخية لبناء اقتصاد مختلف. فالثروة النفطية. والموقع الجغرافي. والموارد الزراعية. والطاقات البشرية. كلها عناصر كانت كفيلة بتحويله إلى أحد أكبر الاقتصادات في المنطقة. لكن هذه المقومات لم تتحول إلى مشروع وطني متكامل.
ولم يحصل القطاع الخاص على البيئة التي تسمح له بأن يكون شريكاً حقيقياً للدولة. ولم يكن التحدي مقتصراً على التمويل أو البنية التحتية. فالمشكلة الأعمق كانت غياب الثقة. فالدولة لم تنجح في بناء منظومة قانونية تجعل العمل في القطاع الخاص خياراً مستقراً. فالتشريعات التي تحمي حقوق العامل. وتضمن التأمينات الاجتماعية. والتقاعد. والتعويضات. وتنظم العلاقة بين أصحاب العمل والعاملين. بقيت دون المستوى الذي يمنح المجتمع شعوراً بالأمان. وفي غياب هذه الضمانات أصبح البحث عن الوظيفة الحكومية قراراً عقلانياً أكثر منه تفضيلاً شخصياً. لأن الإنسان يبحث أولاً عن الاستقرار قبل أن يبحث عن طبيعة العمل.
وفي الوقت نفسه بقيت الإيرادات غير النفطية تدار بطريقة لا تعكس وجود سياسة مالية موحدة. فالرسوم والجبايات والعوائد التي تحققها وزارات ومؤسسات وهيئات مختلفة. مثل بعض إيرادات البلديات وأمانة بغداد والدوائر الخدمية والرسوم الكمركية والضرائب ورسوم الخدمات في قطاعات متعددة. كان يمكن أن تشكل رافداً مهماً للخزينة العامة إذا أدمجت ضمن رؤية وطنية شاملة لتعظيم الإيرادات. غير أن تعدد الحسابات والصناديق وآليات الإنفاق جعل جزءاً من هذه الموارد يدور داخل المؤسسات نفسها بدلاً من أن يتحول إلى قوة مالية موحدة تدعم السياسة الاقتصادية للدولة. فالمشكلة ليست أن العراق يفتقر إلى الإيرادات غير النفطية. وإنما في أن هذه الإيرادات لم تتحول حتى اليوم إلى منظومة مالية متكاملة تعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.
وتبقى العلاقة المالية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في إدارة المالية العامة. فالخلافات المستمرة بشأن تسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية. وآليات احتساب المستحقات المالية. وحجم الالتزامات المتبادلة. خلقت حالة مزمنة من عدم اليقين داخل الموازنة العامة. ومع كل أزمة سيولة يعود هذا الملف إلى الواجهة. وهو ما يؤكد أن استقرار المالية العامة لا يتحقق بالحلول المؤقتة. وإنما بتسوية مؤسسية مستقرة تضمن وضوح الحقوق والالتزامات ضمن سياسة مالية اتحادية واحدة.
الأزمة الحالية قد تنتهي بعد أسابيع أو أشهر. وقد تعود الصادرات إلى طبيعتها. وقد تستقر الأسواق الإقليمية. لكن ذلك لن يغير الحقيقة الأساسية. وهي أن العراق لا يواجه أزمة رواتب بقدر ما يواجه أزمة نموذج اقتصادي. نموذج افترض أن النفط سيظل يتدفق بلا انقطاع. وأن الوظيفة الحكومية قادرة على استيعاب المجتمع إلى ما لا نهاية. وأن الجغرافيا لن تتحول يوماً إلى عامل ضغط على المالية العامة.
والتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الدول لا تسقط عندما تنخفض أسعار مواردها فقط. وإنما عندما تبني مستقبلها على افتراض أن الظروف الاستثنائية ستبقى دائمة. وهذا تحديداً ما ينبغي أن يدفع إلى مراجعة شاملة لفلسفة الدولة الاقتصادية. لأن السؤال لم يعد متى تصرف الرواتب. بل كيف يبنى اقتصاد لا تصبح فيه رواتب ملايين العراقيين رهينة مضيق بحري. أو أزمة إقليمية. أو قرار سياسي خارج حدود الوطن.

