د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي
في صميم أي اقتصاد يبحث عن الاستقرار والنمو، تكمن ثقةٌ لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تترجم إلى أرقام في الحسابات المصرفية وتدفقات استثمارية في الأسواق. هذه الثقة هي عملة نادرة في عالم المال، وهي اليوم تصطدم بواقع جديد لم يعد فيه الخطر يرتدي قناع السارق التقليدي، بل يتخفى خلف شاشات مضيئة وأسطر برمجية معقدة. أنا هنا لا أتحدث عن الأمن السيبراني بوصفه حالةَ ردِّ فعل بعد حدوث الاختراق، بل عن الأمن السيبراني الوقائي بوصفه فلسفةً اقتصاديةً متكاملة، تضرب جذورها في عمق الاستقرار المالي لأي دولة، والعراق يقف على مفترق طرق حاسم في هذا الملف.
حين أنظر إلى المشهد الاقتصادي العراقي اليوم، أرى جسداً مالياً بدأ يتحرك نحو الرقمنة بخطى متسارعة، لكنه لم يتسلح بعد بالدرع الواقي اللازم. نحن نتحدث عن دفع إلكتروني بدأ ينتشر، وعن مصارف تحولت نحو الخدمات الرقمية، وعن بوابات للدفع الحكومي، وعن قاعدة بيانات مالية ضخمة تمس كل تفاصيل حياة المواطن والدولة. كل ذلك يمثل تحولاً حضارياً واقتصادياً مطلوباً، لكنه في غياب البنية الوقائية الصلبة يتحول إلى مساحة هشة قابلة للانكشاف أمام أي هجوم منظم. المسألة ليست تقنية بحتة، كما يحاول البعض تصنيفها، بل هي مسألة اقتصادية ذات أبعاد خطيرة تمس الاستقرار النقدي، وسمعة المؤسسات المالية، وتدفق رؤوس الأموال.
في عملي كمصرفي، أعي تماماً أن أي اختراق يطال بيانات العملاء أو أنظمة الدفع لا يكتفي بسرقة الأموال فحسب، بل يسرق شيئاً أثمن بكثير، وهو الثقة. فالثقة التي قد تستغرق عقوداً لبنائها، يمكن أن تنهار في ليلة واحدة بسبب هجوم سيبراني واحد، والمصيبة أن المستثمر المحلي والأجنبي لا يفرق بين اختراق مؤسسة وأخرى، بل يعمم الصورة على بيئة الأعمال بأكملها. والاقتصاد العراقي، الذي ينشد الاستثمار الأجنبي المباشر ويبحث عن شراكات مالية دولية، مطالب اليوم بأن يقدم صورة للمؤسسات المالية العالمية تؤكد أن البيئة الرقمية العراقية محمية وقائياً، لا أن تنتظر الضربة ثم تبرر الفشل. فالعالم المالي لا يرحم، وصناديق الاستثمار الكبرى تضع معايير الأمن السيبراني على رأس قائمة التقييم لأي سوق ناشئ.
ولا يقف الأمر عند القطاع الخاص والمصارف، بل يمتد إلى مفاصل الدولة المالية كافة. فحين نتحدث عن الموازنة العامة، والجمارك، والضرائب، والنظام المصرفي الحكومي، فإننا نتحدث عن شرايين مالية، لو أصيبت بشلل سيبراني منظم، لوجدنا أنفسنا أمام أزمة سيولة رقمية قد تشل حركة الاقتصاد برمته. والأمن الوقائي هنا ليس رفاهية أو بنداً إضافياً في الميزانية، بل هو استثمار في استمرارية دورة المال. وكم من دول دفعت ثمناً باهظاً من ناتجها المحلي الإجمالي لأنها استهانت بهذا الملف وتعاملت معه بوصفه مسألة تقنية بحتة، بينما هو في جوهره تأمين ضد انهيار السمعة المالية وتوقف عجلة التدفقات النقدية.
إن حاجة العراق إلى تطبيق هذا المفهوم اليوم ليست حاجة مؤجلة أو قابلة للترحيل، بل هي أولوية وطنية ملحة تمليها طبيعة المرحلة. لدينا كوادر مصرفية ومالية على درجة عالية من الكفاءة، ولدينا إرادة سياسية بدأت تدرك أهمية الرقمنة، لكن يبقى أن نملأ الفجوة الخطيرة بين سرعة التحول الرقمي وتطبيقات الأمن الوقائي التي تحميه. يجب أن ننتقل من مرحلة شراء الحلول الجاهزة وبرامج مكافحة الفيروسات التقليدية إلى مرحلة بناء عقيدة مالية وقائية شاملة، تقوم على افتراض أن الهجوم قادم لا محالة، ومن هذا المنطلق نحمي كل عقدة في شبكتنا المالية والمصرفية. إن الاستثمار في هذا المجال ليس تكلفة تشغيلية يمكن تقليصها، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاقتصادي القومي، تماماً كأمن الطاقة وأمن الغذاء. فمستقبل الاقتصاد العراقي مرهون بقدرتنا على بناء جدران رقمية صلبة، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تحمي أحلامنا المالية والتنموية من عبث العابثين في فضاء لا يعرف الرحمة.

