د.نبيل رحيم العبادي – كاتب سياسي عراقي
لا تخلو ذاكرة العراقيين من جرح عميق كلما تذكروا سيناريو حل الجيش في عام 2003 حين ذهب السلاح إلى المستودعات وذهب الرجال إلى المجهول، فتسللت الفوضى واغتالت الدولة في مهدها. لذلك، حين يطرح ملف تسليم سلاح الفصائل اليوم، لا ينبغي لنا أن نقرأه كمشكلة عصيان، بل كاستحقاق وطني يبحث عن صياغة مدروسة تضع حدا للتعددية العسكرية دون أن تكرس نموذج الخذلان الذي يتخوف منه الجميع.
الحشد الشعبي ليس مجموعة خارجة عن القانون، بل هو تشكيل عسكري رسمي منضوي تحت مظلة القوات المسلحة، وهذا الواقع هو مفتاح الحل، لأن المعضلة ليست في شرعية السلاح، بل في سيادة القيادة. إن الحل الأمثل لا يكمن في مناداة الفصائل لإخلاء معسكراتها قبل نهاية أيلول، ولا في تهديدهم بقطع الرواتب، بل في تحويل ذلك الموعد إلى لحظة تاريخية لتوقيع ميثاق تحوّلي يضع جميع الألوية تحت أمرة هيئة الأركان المشتركة، مع الإبقاء على طابعها الإقليمي وتمركزها في محافظاتها الأصلية، تماما كما فعلت دول نجحت في توحيد جيوشها بدمج الوحدات المحلية ضمن هيكل دفاع وطني دون انتزاع هويتها، على غرار نموذج الحرس الوطني في التجارب الأميركية المطبقة في حروبها الخارجية، وصولا إلى تجارب الدول الأوروبية التي أعادت هيكلة جيوشها الموازية في إطار قيادة مركزية واحدة.
لكن المفتاح الجوهري هنا هو الضمانة القانونية، فلا يكفي وعد شفهي بتعيين القادة أو توفير التقاعد، بل يجب أن يسارع البرلمان إلى تشريع قانون يعدل نظام الحشد الشعبي، يضمن أن عملية الدمج لا تعني الحل أو التصفية، وتنص مواده على أن أي مساس بهيكلية هذه الوحدات المدمجة لا يتم إلا بقانون بأغلبية الثلثين، مما يمنع تكرار تجربة الانهيار ويمنح المقاتلين شعورا بأن دولتهم تحتضنهم لا تطردهم. وفي ذات السياق، ينبغي أن تكون الخطوة الأولى قبل انتهاء الموعد المحدد هي تسليم الأسلحة الثقيلة إلى مستودعات الجيش تحت إشراف لجنة مشتركة من وزارة الدفاع وأعضاء من الحشد، على أن تُسجل الأسلحة الفردية بأرقام قياسية رسمية، وتُوزع كجزء من التجهيز النظامي، لأن البندقية التي تحملها يد عراقية يجب أن تكون موجهة صوب عدو واحد لا يتوقف عن التربص بالحدود، وهو الإرهاب الذي لا يزال قائما، وهذا يجعل احتفاظهم بالأسلحة الخفيفة في مناطقهم مسألة دفاعية مشروعة، لا عصيانا مرفوضا.
الواقع يقول إن صرامة الموعد المحدد لن تكون سوى نافذة للتفاهم، لا جدارا للتصادم، فالقوة الحقيقية ليست في كثرة الرايات أو تعدد المقرات، بل في وحدانية القرار التي تنبثق عن إرادة وطنية صادقة.
إن العراق الذي يريد أن يبني مستقبله لا يحتاج إلى جيوش متفرقة، بل إلى جيش واحد، تسكن فيه روح الجميع، ويحكمه دستور واحد. وما يراه البعض تهديدا لوجودهم هو في الحقيقة فرصة ذهبية لتحويل (المليشيات) إلى مؤسسة عسكرية محترفة، تمنح قياداتها رتبا رسمية، وتوفر لأبنائها مستقبلا وظيفيا آمنا، وتجعل من دفاعهم عن الأرض واجبا نظاميا لا خيارا فرديا.
الطريق ليس ممهدا، لكن الخيار واضح، إما أن تختار الدولة لغة التهديد فتنزلق إلى مستنقع لا قرار له، أو أن تختار لغة الحوار البناء الذي يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، ويحول ذلك الموعد المحدد إلى يوم توقيع على إعادة تعريف الولاء العسكري، لا يوما لوداع السلاح. حينها سيكون السلاح في يد الدولة، والقلب في الوطن، وسنقول إن العراق كسب رهان الوحدة، وكتب فصلا جديدا من تاريخه، لا تشوبه مرارة الخذلان، ولا تهزه رياح الانقسام.

