حذف الأصفار لا يعالج اقتصاداً مثقلاً بالأصفار!

علي كريم إذهيب | شبكة إنماز نيوز

عاد ملف حذف الأصفار من العملة العراقية إلى الواجهة مجدداً، بعد تصريحات النائب مصطفى سند بشأن توجه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي نحو إعادة طرح المشروع، في وقت يمر فيه الاقتصاد العراقي بمرحلة حساسة تتداخل فيها ضغوط المالية العامة مع تحديات سعر الصرف والسيولة والاعتماد المرتفع على النفط.

وبعيداً عن الجدل السياسي الذي قد يرافق أي حديث عن تغيير العملة، فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل سيحذف العراق ثلاثة أصفار من الدينار؟ بل: هل يمتلك الاقتصاد العراقي اليوم البيئة المناسبة لتنفيذ هذه الخطوة؟

فحذف الأصفار، في جوهره، ليس عملية لرفع قيمة الدينار، ولا يعني أن المواطن سيصبح أكثر ثراءً بمجرد تغيير شكل الأرقام على الأوراق النقدية. فإذا كان راتب الموظف مليون دينار، وأزيلت ثلاثة أصفار، فإنه سيصبح ألف دينار جديد، وفي المقابل إذا كانت سلعة ما تباع بعشرة آلاف دينار، فستصبح عشرة دنانير جديدة. القوة الشرائية، من حيث المبدأ، لا تتغير بمجرد حذف الأصفار.

وهنا تكمن أولى النقاط التي ينبغي توضيحها للرأي العام، لأن جزءاً من الجدل حول المشروع يقوم على تصور أن حذف الأصفار يعني “تقوية الدينار”. والحقيقة أن إعادة تسمية الوحدة النقدية شيء، ورفع القيمة الحقيقية للعملة شيء آخر تماماً.

مشروع نقدي لا وصفة سحرية

العراق سبق أن ناقش مشروع حذف الأصفار، والبنك المركزي العراقي طرح الفكرة في سنوات سابقة ضمن مشروع لإعادة هيكلة العملة وتسهيل التعاملات النقدية والمحاسبية، خصوصاً أن الأرقام الكبيرة أصبحت جزءاً من الحياة الاقتصادية اليومية.

لكن المشروع لم يكن في جوهره مجرد استبدال أوراق نقدية بأخرى؛ بل كان مرتبطاً بإصلاح نقدي ومصرفي أوسع، يفترض أن يرافقه استقرار اقتصادي ومالي ونقدي.

ومن هنا فإن إعادة إحياء المشروع في عام 2026 تستحق التوقف عندها، ليس باعتبارها خطوة سيئة بالضرورة، وإنما لأنها تأتي في توقيت مختلف تماماً عن السنوات التي طُرح فيها المشروع سابقاً.

العراق اليوم أمام اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، فيما تمثل الرواتب والنفقات الجارية أحد أكبر التحديات أمام المالية العامة. وأي اضطراب كبير في أسعار النفط أو الصادرات يمكن أن ينعكس سريعاً على قدرة الدولة على تمويل التزاماتها.

لذلك فإن السؤال الأهم هو: هل حذف الأصفار جزء من مشروع إصلاح اقتصادي متكامل، أم محاولة لإدارة مشكلة نقدية داخل اقتصاد لم يعالج بعد مشكلاته الهيكلية؟

ماذا يمكن أن يحقق حذف الأصفار؟

من الناحية الفنية، هناك فوائد محتملة.

الأرقام الكبيرة تصبح أكثر سهولة في المحاسبة والتعاملات اليومية، وتقل أعداد الخانات في الحسابات والفواتير والبيانات المالية، ويمكن أن يساعد ذلك في تبسيط الأنظمة المحاسبية والمصرفية.

كما يمكن أن تكون عملية استبدال العملة فرصة لإعادة تنظيم الدورة النقدية، وتحديث الفئات النقدية، وتعزيز استخدام الأدوات المصرفية والانتقال تدريجياً من الاقتصاد النقدي إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المدفوعات الإلكترونية.

لكن هذه الفوائد لا ينبغي تضخيمها.

حذف الأصفار لا ينتج برميلاً واحداً إضافياً من النفط، ولا يبني مصنعاً، ولا يخلق وظيفة، ولا يخفض العجز، ولا يزيد الإيرادات الضريبية.

وهذه النقطة هي الأهم.

فالاقتصاد لا يصبح أقوى لأن الأرقام على الأوراق النقدية أصبحت أصغر.

هل يكشف الأموال المكتنزة؟

من أكثر الأفكار التي تستحق النقاش في هذا الملف الحديث عن إمكانية أن يساعد تغيير العملة على كشف الأموال المكتنزة أو غير المشروعة وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية.

منطقياً، يمكن أن تكون عملية استبدال العملة فرصة لتعزيز الرقابة على حركة النقد، خصوصاً إذا رافقتها قواعد صارمة للإفصاح عن مصادر الأموال وربط عمليات الاستبدال بالنظام المصرفي والضريبي.

لكن لا ينبغي تحويل هذه الإمكانية إلى وعد مبالغ فيه.

الأموال المسروقة لا تظهر تلقائياً لمجرد تغيير العملة.

إذا أرادت الدولة استرداد الأموال غير المشروعة، فإن الأدوات الحقيقية تتمثل في مكافحة غسل الأموال، وتتبع التحويلات، والتدقيق المصرفي والضريبي، ومراقبة شركات الصرافة، وتعزيز الإفصاح المالي، وربط النشاط الاقتصادي بالنظام المصرفي.

أما حذف الأصفار فهو يمكن أن يكون جزءاً من منظومة رقابية، لكنه ليس بديلاً عنها.

لماذا الآن؟

هذا هو السؤال السياسي والاقتصادي الأكثر أهمية.

إذا كانت حكومة علي الزيدي تتجه فعلاً إلى إعادة فتح ملف حذف الأصفار، فإن التوقيت يحمل دلالة كبيرة.

فالاقتصاد العراقي في 2026 يواجه تحديات مرتبطة بالإيرادات النفطية، والإنفاق الحكومي، والسيولة، وسعر الصرف، والاحتياطيات، ومستقبل الدين العام.

وبالتالي يمكن النظر إلى المشروع باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لإعادة ترتيب النظام النقدي والمالي.

لكن الخطر يكمن في أن يُفهم المشروع باعتباره حلاً للأزمة المالية.

لا يمكن لحذف ثلاثة أصفار أن يحذف ثلاثة أصفار من العجز المالي.

ولا يمكنه أن يحذف اعتماد العراق على النفط.

ولا يمكنه أن يحذف البطالة.

ولا يمكنه أن يحذف ضعف الإنتاج المحلي.

وهنا أعتقد أن حكومة الزيدي أمام اختبار حقيقي: هل ستستخدم المشروع كجزء من إصلاح شامل، أم ستكتفي بتغيير شكل العملة؟

الإصلاح يبدأ قبل الورقة الجديدة

إذا أرادت الحكومة تنفيذ المشروع بصورة سليمة، فإن الطريق الطبيعي ينبغي أن يبدأ قبل طرح العملة الجديدة.

هناك حاجة إلى إصلاح المالية العامة، وضبط نمو الإنفاق الجاري، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتطوير النظام الضريبي والجمركي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتوسيع المدفوعات الإلكترونية، ومحاربة الاقتصاد النقدي غير الرسمي.

وفي الوقت نفسه، يجب دعم القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي لأي تحول اقتصادي حقيقي.

فلا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد متنوع بينما يبقى المواطن العراقي ينظر إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها الطريق الأكثر أماناً للدخل.

الاقتصاد المنتج يحتاج إلى صناعة وزراعة وسياحة وخدمات وتكنولوجيا واستثمار، ويحتاج قبل ذلك إلى بيئة قانونية ومصرفية مستقرة تسمح لرأس المال العراقي والأجنبي بالعمل.

ومن هنا فإن حذف الأصفار يجب أن يأتي بعد بناء البيئة المناسبة، أو بالتوازي مع إصلاحات واضحة ومعلنة، وليس بديلاً عنها.

خطر آخر: الأسعار والثقة

هناك جانب آخر يجب ألا يُهمل، وهو حماية المستهلك.

تغيير العملة يمكن أن يخلق ارتباكاً مؤقتاً في الأسعار، خصوصاً إذا استغل بعض التجار الانتقال النقدي لرفع الأسعار أو تقريبها بصورة غير مبررة.

ولهذا تحتاج العملية إلى مرحلة انتقالية واضحة، تعرض فيها الأسعار بالعملتين القديمة والجديدة لفترة محددة، مع رقابة حقيقية على الأسواق.

كما تحتاج الحكومة والبنك المركزي إلى حملة توعية واسعة تشرح للمواطن ماذا يعني حذف الأصفار، وكيف ستتحول الرواتب والودائع والقروض والعقود والأسعار.

والأهم أن المواطن يجب ألا يشعر بأن مدخراته معرضة للخطر.

الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي إصلاح نقدي.

البنك المركزي أولاً

وهنا أرى نقطة لا يمكن تجاوزها.

هذا الملف يجب أن يكون فنياً قبل أن يكون سياسياً.

البنك المركزي العراقي ينبغي أن يكون في مقدمة عملية التخطيط والتنفيذ والتواصل مع الجمهور، لأن تغيير العملة وإدارة السياسة النقدية ليستا مجرد قرارات حكومية إدارية.

ويجب أن يعرف العراقيون بوضوح: ما مقدار الإصدار الجديد؟ ما نسبة التحويل؟ ما مدة التداول المزدوج؟ كيف ستتم عملية سحب العملة القديمة؟ ما الكلفة؟ وكيف ستتم حماية النظام المصرفي من المضاربة وغسل الأموال؟

هذه ليست تفاصيل ثانوية؛ بل هي جوهر المشروع.

حكومة الزيدي أمام فرصة واختبار

يمكن أن تتحول إعادة فتح ملف حذف الأصفار إلى فرصة اقتصادية حقيقية إذا تعاملت حكومة الزيدي معها باعتبارها جزءاً من إعادة بناء النظام النقدي والمالي العراقي.

لكنها ستتحول إلى مشكلة إذا جرى تسويقها باعتبارها طريقاً سريعاً نحو “تقوية الدينار”.

فالعملة القوية لا تصنعها الطباعة، ولا عدد الأصفار.

العملة القوية تحتاج إلى اقتصاد قوي خلفها: إنتاج، صادرات، استثمار، نظام مصرفي فعال، مالية عامة منضبطة، ثقة بالمؤسسات، وقطاع خاص قادر على خلق فرص العمل.

وهنا أصل إلى الخلاصة الأهم: العراق لا يحتاج فقط إلى حذف الأصفار من العملة، بل إلى حذف الأصفار من الاقتصاد نفسه.

حذف أصفار من الدينار قد يجعل الفواتير والحسابات أكثر أناقة، لكنه لن يغير حقيقة الاقتصاد.

أما إذا نجحت حكومة علي الزيدي في أن تجعل حذف الأصفار جزءاً من مشروع أكبر لإصلاح المالية العامة، وتنشيط القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل، وتقوية المصارف، ومكافحة الاقتصاد النقدي وغسل الأموال، فإن الخطوة يمكن أن تصبح محطة مهمة في تاريخ الدينار العراقي.

أما إذا تم تغيير الورقة وبقي الاقتصاد كما هو، فسنكون قد غيّرنا أرقام العملة، من دون أن نغيّر أرقام الاقتصاد.

وهنا تحديداً يجب أن يكون الحكم على المشروع.

فالاختبار ليس: كم صفراً سيُحذف من الدينار؟

الاختبار الحقيقي: كم صفراً ستنجح الحكومة في حذفها من اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي؟