د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي
في قاعة مؤتمر حوار بغداد الثامن، وقف رئيس الوزراء العراقي ليطلق ما يمكن وصفه بأهم تصريح نفطي منذ سنوات، ليس لأنه كشف عن أرقام، بل لأنه أعلن عن فلسفة جديدة كاملة لإدارة الثروة النفطية في بلد يعاني منذ عقود من احتجاز جغرافي نادر في منطقة غنية بالنفط فقيرة بالموانئ الآمنة.
العراق، الذي توقف تصديره عبر مضيق هرمز لأشهر طويلة، لم يعد مستعداً لأن يبقى رهينة لممر مائي يمكن أن يغلق في أي لحظة. وهنا، يكمن جوهر التحول الذي يتحدث عنه الزيدي، فعوضاً عن انتظار عودة الأمور إلى طبيعتها في الخليج، قررت الحكومة أن تصنع طبيعتها الخاصة عبر ثلاثة خطوط أنابيب بديلة، وكأنها تعلن للعالم أن العراق لم يعد ذلك البلد الذي يصدر نفطه بخوف، بل أصبح يملك خياراته.
الخط الأول معروف وهو جيهان التركي، هذا الخط القديم الذي يمتد من كركوك، لكن الجديد فيه أن العمل يجري الآن على توسيعه لاستيعاب كميات مضاعفة، وكأن الحكومة تقول إنها تريد أن تحول هذا الخط من شريان جانبي إلى قناة رئيسية.
والثاني، وهو الأكثر إثارة، مشروع خط بانياس السوري، الذي سيمتد من حديثة غرب العراق وصولاً إلى الميناء السوري على المتوسط، وهو حلم قديم يعود إلى الواجهة لكن بثياب جديدة، ويمنح العراق نافذة مباشرة على البحر الأبيض المتوسط دون الحاجة للإبحار حول شبه الجزيرة العربية. أما الثالث فهو خط العقبة الأردني، الذي يربط جنوب العراق بالبحر الأحمر، وبذلك يكون العراق قد امتلك منافذ بحرية في الخليج والبحر الأحمر والمتوسط دفعة واحدة، وكأنه يوزع مخاطره الجيوسياسية على ثلاث قارات.
لكن لماذا كل هذا الآن؟ الإجابة بسيطة وقاسية في آن واحد، لأن العراق اكتشف بالطريقة الصعبة أنه عندما يعتمد على ناقلات أجنبية، فإنه يدفع أثماناً باهظة للتأمين، وخلال أزمات المضيق تتضاعف هذه الأقساط إلى أرقام خيالية، ناهيك عن أن الناقلات نفسها قد تتردد في الدخول إلى مياه مضطربة. وهنا، تكمن أهمية الأنابيب، فهي ليست مجرد بديل، بل هي حل دائم لمشكلة هيكلية ظلت تؤرق العراق لعقود.
أما القفزة النوعية الأكثر جرأة، فتتمثل في طموح العراق لرفع إنتاجه إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الست المقبلة، وهذا الرقم وحده كفيل بإحداث زلزال داخل أوبك. لكن الزيدي لم يترك الأمر للصدف، بل رسم استراتيجية مزدوجة للتفاوض مع المنظمة، تتضمن ورقة ضغط غير مسبوقة تتمثل في التلويح بالانسحاب من أوبك، وهي ورطة حقيقية للمنظمة لأن خروج العراق يعني انهيار نظام الحصص، وسيبدأ كل عضو بإنتاج ما يشاء، وهنا تكون الأسعار في مهب الريح.
إلى جانب ذلك، يقدم العراق ورقة تنويع المنافذ، وكأنه يقول لأوبك: أنا الآن أملك أربعة منافذ تصديرية، فكيف يمكن أن أبقى محصوراً بحصة محدودة وأنا أملك هذه البنية التحتية الجديدة؟
ما يفعله العراق اليوم، بكل هذه التحركات المتزامنة، هو أنه ينتقل من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم في سوق الطاقة، فهو لم يعد ذلك اللاعب الذي يقبل بالشروط، بل أصبح يكتب شروطه الخاصة، وهذا التحول، إن تحقق، فسيكون نقطة تحول حقيقية ليس فقط في الاقتصاد العراقي، بل في موازين القوى الإقليمية بأكملها.
يبقى التحدي الأكبر في تنفيذ هذه المشاريع العملاقة، فهي تحتاج إلى استثمارات ضخمة وأمن مستقر وتعاون إقليمي، لكن الشرارة قد أُطلقت، والطريق نحو المستقبل أصبح مرسوماً بخريطة جديدة لا تعتمد على مضيق واحد، بل على شبكة من الممرات التي تجعل العراق مركزاً للطاقة، وليس مجرد محطة عبور.

