سجال الدستور والموازنة: اتهامات متجددة بين بغداد وأربيل وتراشق حول صلاحيات إدارة الملف النفطي والمنافذ

شبكة إنماز نيوز | خاص

تُطل أزمة الثقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وإقليم كردستان برأسها من جديد، لتعيد رسم ملامح المشهد السياسي العراقي المحتقن. فلم تعد الخلافات بين الطرفين محصورة في أروقة التفاوض الفني حول حصة الإقليم من الموازنة المالية أو آلية تسليم الإيرادات، بل اتسعت لتتحول إلى سجال علني ومباشر بين كبار المسؤولين في المركز والإقليم حول جوهر تطبيق الدستور، وإدارة الثروات الطبيعية، وترسيم حدود الصلاحيات الاتحادية والإقليمية.

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار الانسداد في ملف تشريع قانون النفط والغاز المعطل منذ سنوات، والذي بات الحجر الأساس في كل نزاع إداري ومالي يطفو على السطح بين الطرفين.

فيحان: الإقليم يخرق الدستور ويدير حقولاً خارج حدوده
فيحان: الإقليم يخرق الدستور ويدير حقولاً خارج حدوده

في كلمة ألقاها خلال مشاركته في مؤتمر “حوار بغداد الثامن”، رسم النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي، عدنان فيحان، حضرها مراسل «إنماز»، صورة قاتمة لطبيعة العلاقات الحالية بين بغداد وأربيل، مؤكداً أن جذور الأزمة تتجاوز الملف المالي المتمثل بقانون الموازنة العامة.

وأوضح فيحان أن “المشكلة بين بغداد والإقليم أوسع من قضية الموازنة”، مشيراً إلى أن نقطة الخلاف الجوهرية تكمن في طريقة تعامل الإقليم مع التشريعات الاتحادية والدستور العراقي.

ملف إدارة الحدود

اتهم فيحان أربيل برفض تطبيق البنود الدستورية المتعلقة بإدارة المنافذ الحدودية والحدود الدولية بشكل تام، واصفاً ذلك بـ”الرفض الصريح لتطبيق الدستور الذي يمثل مرتكز الخلاف مع المركز”.

عدم الالتزام بالموازنة

كشف النائب الأول لرئيس البرلمان عن أن “إقليم كردستان لم يطبق أي بند من بنود الموازنة الثلاثية”، مما تسبب في تعقيد إجراءات الصرف والتحويلات المالية المتبادلة.

إدارة الحقول النفطية

وأثار فيحان تساؤلات حادة حول الشرعية القانونية لبعض الأنشطة النفطية، متسائلاً: “إقليم كردستان يدير حقولاً نفطية خارج مناطقه.. من منحه هذه الصلاحية؟”.

أزمة الرواتب والحلول

كما انتقد فيحان الاكتفاء بالزيارات المتبادلة دون وجود إرادة حقيقية للحل، مشدداً على أن “المشكلة تكمن في منهج الإقليم ومدى قناعته بالوصول إلى تفاهمات جذرية”. وأكد في الوقت ذاته أن بغداد “تعمل على عزل رواتب موظفي الإقليم عن التجاذبات السياسية” للحد من الآثار الاجتماعية للأزمة.

بابكه يي يرد: بغداد تتعامل بانتقائية ودعت لنهج الاعتدال
بابكه يي يرد: بغداد تتعامل بانتقائية ودعت لنهج الاعتدال

في المقابل، لم يتأخر الرد من جانب أربيل، حيث قدم رئيس لجنة العلاقات الخارجية في برلمان إقليم كردستان سابقاً، ريبوار بابكه يي، تفنيداً شاملاً لتصريحات فيحان، متهماً الحكومة الاتحادية بالانتقائية في تطبيق مواد الدستور ومحاولة تقويض الحقوق Constitutional للإقليم”.

وأكد بابكه يي في تصريح اـ«إنماز»، أن “الدستور هو الذي منح الإقليم صلاحيات إدارة المنافذ والحدود”، موضحاً أن المسؤولية الأولى في تطبيق الدستور تقع على عاتق الحكومة الاتحادية في بغداد وليس الإقليم.

الانتقائية وتجاهل المواد الدستورية

و أشار بابكه يي إلى ظهور تيار سياسي في بغداد منذ إقرار الدستور وتشكيل أول حكومة بعد عام 2003، يهدف إلى “وضع أحجار عثرة أمام تطبيق البنود المتعلقة بحقوق الكرد وكردستان”. وتساءل مستنكراً: “من المسؤول عن عدم تطبيق المادة 140؟ وهناك أكثر من 55 مادة دستورية تتعلق بالكرد لم يتم تطبيقها حتى الآن”.

قانون النفط والغاز المعطل

و وجه بابكه يي انتقاداً مباشراً لرئاسة البرلمان والقوى السياسية في بغداد لعدم تشريع قانون النفط والغاز، قائلاً: “لماذا لم يشرع هذا القانون حتى الآن؟ ولماذا يخشى السيد فيحان وأمثاله من تشريعه؟”، مبيناً أن غياب هذا القانون هو الذي يخلق الفراغ التشريعي الحالي.

رؤية الإقليم للحل

أيضًا شدد بابكه يي على أن منهج الإقليم قائم على “الاعتدال، والحنكة، والامتثال للدستور، واحترام الاتفاقيات الموقعة بين بغداد وأربيل”. وطالب بغداد باحترام مؤسسات الإقليم والالتزام بالقوانين والتفاهمات المبرمة، إلى جانب فرض هيبة الدولة وتجنب الصراعات وإلزام الجماعات الخارجة عن القانون بالامتثال للأنظمة الاتحادية.

بين التسييس والحل القانوني: أفق الأزمة

يكشف هذا التراشق الإعلامي والسياسي عن عمق الفجوة التشريعية والإدارية التي تحكم العلاقة بين بغداد وأربيل. ويرى مراقبون للشأن السياسي العراقي أن استمرار ترحيل الأزمات دون حسم التشريعات العضوية وعلى رأسها «قانون النفط والغاز وقانون الموازنة الاتحادية وتفعيل المادة 140» سيجعل من كل تفاوض مالي مجرد تأجيل مؤقت لنزاع يتجدد مع كل استحقاق سياسي.

إن إنهاء هذه الحلقة المفرغة يتطلب الانتقال من السجالات الإعلامية إلى الالتزام الكامل بنصوص الدستور كحزمة واحدة غير قابلة للتجزئة، مع ضرورة إبعاد المستحقات المالية لمعيشة المواطنين والموظفين في الإقليم عن دائرة الضغط والمساومات السياسية، لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.