الأعظمية و الزردة !

قاسم الطائي | كاتب سياسي عراقي

تحتل المناسبات الدينية مكانة خاصة في الوجدان الشعبي، فهي لا تقتصر على الطقوس العبادية فحسب، بل تتجاوزها لتكون تعبيراً عن هوية جماعية وذاكرة اجتماعية متوارثة. ومن بين تلك المناسبات التي ترسّخت في الثقافة العراقية والعربية على حد سواء، تأتي الزردة والمولد النبوي الشريف، اللذان يشكلان احتفالية روحية واجتماعية متكاملة.

الزردة عادة عراقية عريقة تعود إلى قرون ماضية، تقوم على إعداد وجبة خاصة من الرز المطبوخ بالسكر والزعفران، وتقديمها في تجمعات عامة تقام عادة عند الأضرحة أو في المساجد أو حتى البيوت.

وتُعد الزردة نذراً أو شكراً لله على قضاء حاجة أو شفاء مريض أو دفع بلاء. لكنها في الوقت نفسه تتخذ طابعاً اجتماعياً، إذ تُمد موائدها للجميع، في صورة تجسد التكافل الاجتماعي وروح المشاركة.

وقد تطورت الزردة من مجرد طقس فردي أو عائلي إلى مناسبة جماعية، يشارك فيها الفقراء والأغنياء على حد سواء، مما جعلها رمزاً للتماسك الاجتماعي، ووسيلة للحفاظ على العادات والتقاليد الشعبية.

أما المولد النبوي الشريف، الذي يوافق الثاني عشر من ربيع الأول، فهو مناسبة دينية عظمى يحتفي فيها المسلمون بذكرى ميلاد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي غيّر مسار التاريخ برسالته السماوية. وفي العراق، كما في بقية البلدان الإسلامية، تُقام الاحتفالات التي تتنوع بين قراءة القرآن الكريم، والمدائح النبوية، وإلقاء الخطب التي تذكّر بسيرته العطرة وأخلاقه العظيمة.

ويتخذ المولد طابعاً احتفالياً وشعبياً في آنٍ واحد، حيث تُزيَّن الشوارع والمساجد، وتوزَّع الحلوى على الأطفال، وتُقدَّم الأطعمة الشعبية، ومنها الزردة، في إشارة إلى الفرح الروحي الذي يغمر الناس.

اللافت أن الزردة والمولد يرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً في المخيال الشعبي العراقي. ففي كثير من المناطق، تصبح الزردة جزءاً من مائدة المولد النبوي، باعتبارها طعام البركة الذي يجمع القلوب على مائدة واحدة. وهذا التداخل بين الطقس الديني والعادة الاجتماعية يعكس كيف يتجذر الدين في تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يتحول إلى فرصة لإحياء قيم المحبة والتكافل.

ورغم تغيّر أنماط الحياة الحديثة، ما زالت الزردة والمولد حاضرين بقوة في المجتمع العراقي. قد تختلف الوسائل، وتتنوع أشكال الاحتفال، لكن الجوهر يبقى ثابتاً: اجتماع على ذكر الله ورسوله، ومشاركة في الخير، وتواصل إنساني يعزز من قيم الأخوة والوحدة.

ومن المناطق البغدادية التي تحتفل بالمولد النبوي الشريف هي منطقة الاعظمية، حيث جرت العادة منذُ سنوات طويلة ان يكون الاحتفال المركزي بمناسبة مولد سيد الكائنات محمد (صلى الله عليه وسلم)، في جامع الامام الأعظم أبي حنيفة النعمان الواقع في منطقة الاعظمية ، وتشهد المنطقة توافد زائرين من كل محافظات ومناطق العراق للمشاركة في الاحتفال المركزي.

إن الزردة والمولد النبوي ليسا مجرد طقوس دينية أو عادات اجتماعية، بل هما انعكاس لثقافة شعبية متوارثة، تحمل في طياتها رسالة إنسانية عميقة: أن الدين حياة، وأن الفرح برسول الإنسانية (صلى الله عليه وسلم) هو فرح بالرحمة، والوحدة، والتآزر الاجتماعي.

الآراء الواردة في المقال تلزم صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي شبكة إنماز نيوز