د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي
حين يتحدث المصرفي عن سعر الصرف، فهو لا ينظر إلى رقم يتحرك في شاشات الصرافة، بل إلى مرآة تعكس بنية الاقتصاد كله. ومن هذا المنطلق، تقدم التجربة المصرية التي انطلقت في مارس عام ألفين وأربعة وعشرين درسًا بالغ الأهمية، لا للنسخ، بل للاسترشاد.
فقد حررت مصر سعر صرف الجنيه ورفعت الفائدة بستمائة نقطة أساس دفعة واحدة، فقفز الدولار من ثلاثين جنيهًا إلى تسعة وأربعين، قبل أن يستقر نسبيًا. لكن الأهم أن البنك المركزي المصري تحول تدريجيًا من التعويم الحر إلى ما يمكن تسميته التعويم الموجه، حيث يُترك السعر لقوى السوق، مع احتفاظه بأدوات التدخل لتوجيهه عند الضرورة. وهذا ليس تراجعًا عن الإصلاح، بل تكييف واقعي له يتناسب مع اقتصادات لا تمتلك بعد العمق الكافي لتحمل التقلبات الحرة الكاملة.
وقد رافق ذلك استخدام أداة الدولار الجمركي، حيث تحدد وزارة المالية سعرًا إداريًا للدولار تُحتسب عليه الرسوم الجمركية، وهو ليس سعرًا للسوق، بل أداة ضبط مالي وجمركي توازن بين حماية الإيرادات وتنظيم الاستيراد.
وعلى الجانب العراقي، يقف البنك المركزي أمام معادلة أكثر تعقيدًا، فاقتصاد ريعي تعتمد إيراداته على النفط الخام بنسبة تصل إلى تسعة وتسعين بالمائة، والحكومة تحتكر الإيرادات وتتحكم في النافذة الوحيدة لتمويل التجارة الخارجية. ومع ذلك، فالتشابه في التجليات واضح، إذ توجد سوق موازية لسعر الصرف، وفجوة بين السعر الرسمي وسعرها، وضغوط مستمرة على الاحتياطيات.
والحقيقة التي يدركها كل مصرفي متمرس أن إعلان عدم تغيير سعر الصرف لا يكفي وحده، بل لا بد من أدوات عملية. وقد بدأ البنك المركزي العراقي فعليًا بالسير في هذا الاتجاه عبر آلية الاحتساب المسبق للرسوم الجمركية التي ستدخل حيز التنفيذ في الأول من ديسمبر عام ألفين وخمسة وعشرين، بحيث لا تُنفذ أي حوالة خارجية دون احتساب الرسوم مسبقًا. وهذه خطوة جوهرية للسيطرة على التهريب، ومنع التحويلات الوهمية، وتخفيض الاستيرادات العشوائية التي تستنزف الدولار.
وهنا يتجلى وجه الشبه مع الدولار الجمركي المصري، ليس في الشكل، بل في الجوهر، فكلاهما أداة لضبط العلاقة بين التجارة الخارجية وسعر الصرف، وتحويل الطلب على الدولار من السوق الموازية إلى القنوات الرسمية.
لكن الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة المصرية هو أن استقرار سعر الصرف لا يتحقق بالسياسات النقدية وحدها، مهما تطورت أدواتها، بل يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة في بنية الاقتصاد، وتنويع مصادر الإيرادات، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للعملة الأجنبية. فمصر تمتلك سياحة وتحويلات خارجية وصناعة وزراعة وصادرات غاز، أما العراق فمعادلته الدولارية مختلة؛ لأن الإيرادات تتحقق من النفط بشكل شبه حصري.
والخلاصة المصرفية المتوازنة أن العراق لا يحتاج إلى تعويم بالمعنى المصري؛ لأن سعر الصرف الرسمي ثابت أصلًا عند ألف وثلاثمائة دينار للدولار، لكنه يحتاج بالفعل إلى إدارة موجهة لسعر الصرف عبر أدوات نقدية ومالية وجمركية توجّه الطلب على الدولار نحو القنوات الرسمية، وتضييق الفجوة مع السوق الموازية. وهذا ما بدأ البنك المركزي ينفذه فعليًا، لكن النجاح النهائي مرهون بالانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط وحده إلى اقتصاد متنوع ومنتج قادر على توليد العملة الأجنبية من مصادر متعددة. فالمصرفي الحصيف يقرأ التجارب لا ليعيد إنتاجها، بل ليفهم قوانينها العامة ويطبقها في سياقه الخاص بما يناسب معطياته وظروفه وإمكاناته.

