شبكة إنماز نيوز | محرر الشؤون الاقتصادية
لم يكن خروج آخر القوات الأميركية من العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026 مجرد نهاية لمهمة عسكرية استمرت أكثر من عقد، بل مثّل بالنسبة إلى الصحافة الخليجية والأجنبية نقطة انتقال في طريقة النظر إلى العراق نفسه: من دولة ارتبط اسمها لسنوات طويلة بالحرب على تنظيم داعش، والوجود العسكري الأجنبي، والفصائل المسلحة، والتجاذب الأميركي–الإيراني، إلى دولة يُفترض أن تختبر قدرتها على تحويل الاستقرار الأمني والسياسي إلى قيمة اقتصادية.
وبينما انشغلت التغطية الإعلامية الأولى بانتهاء مهمة التحالف الدولي وما يمكن أن يترتب عليها أمنياً، بدأت تقارير أخرى تنظر إلى المرحلة المقبلة من زاوية مختلفة: هل يستطيع العراق أن يستثمر خروجه من مرحلة الحرب ليصبح عقدة تجارية وطاقة ونقل تربط الخليج بتركيا وأوروبا؟
السؤال لا يتعلق بتغيير العنوان الأمني للعراق بقدر ما يتعلق بإضافة عنوان اقتصادي إليه. فالمؤشرات التي تتابعها الصحافة الدولية والخليجية تظهر أن بغداد تحاول بالفعل إعادة تقديم نفسها كشريك اقتصادي إقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وثروتها النفطية، وموانئها، ومشروع طريق التنمية، وعلاقاتها المتنامية مع دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة.
من «العراق الأمني» إلى «العراق الاقتصادي»
على مدى سنوات، كانت الأخبار العالمية عن العراق تبدأ غالباً من بغداد بوصفها ساحة للصراع الأمني والسياسي. أما بعد انتهاء مهمة التحالف، فإن السؤال الذي يبرز تدريجياً هو ماذا سيفعل العراق بهذه المساحة الجديدة من المسؤولية؟
صحيفة The National الإماراتية رصدت هذا التحول من خلال تركيزها على انتقال العلاقة العراقية–الأميركية من الوجود العسكري إلى التعاون الثنائي في مجالات التدريب والاستخبارات وبناء القدرات، بالتزامن مع سعي بغداد إلى استعادة السيطرة الكاملة على ملف الأمن. (The National)
وفي الوقت نفسه، لا تزال الصحافة الخليجية تضع مسألة السلاح خارج الدولة والنفوذ الإيراني ضمن شروط المرحلة الجديدة. وهذا يعني أن الاقتصاد لم يحل محل الأمن في النظرة الخارجية إلى العراق، لكنه أصبح مرتبطاً به بصورة مباشرة: كلما تمكن العراق من ترسيخ الاستقرار والمؤسسات، ازدادت قدرته على تقديم نفسه كسوق وممر استثماري إقليمي.
وهنا تظهر المفارقة؛ فخروج القوات الأجنبية يمكن أن يمنح بغداد مساحة أكبر لإدارة قرارها الاقتصادي، لكنه في الوقت ذاته يرفع مسؤولية الدولة عن توفير البيئة التي يحتاجها المستثمرون والتجارة الدولية.
النفط.. النفوذ الاقتصادي الذي لا يغادر المشهد
حتى مع الحديث عن التنويع الاقتصادي، يبقى النفط نقطة البداية في أي قراءة للاقتصاد العراقي.
وفي تقرير نشرته Reuters في 30 أيلول/سبتمبر، بالتزامن مع اكتمال الانسحاب الأميركي، ركزت الوكالة على استمرار وجود نفوذ اقتصادي أميركي مهم عبر إدارة عائدات النفط العراقية وآليات التعامل بالدولار.
وتشير رويترز إلى أن عائدات النفط تمثل نحو 90% من موازنة الدولة العراقية، وأن عائدات النفط العراقي تُدار عبر ترتيبات مالية مرتبطة بالبنك المركزي العراقي وحساباته لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وهذا يجعل العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة مختلفة تماماً عن العلاقة العسكرية؛ فالانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء جميع أدوات التأثير الاقتصادي. (Reuters)
وهذه النقطة تحديداً تعطي المرحلة المقبلة بعداً اقتصادياً مهماً.
فالعراق يستطيع أن يعلن اكتمال السيادة العسكرية، لكنه سيظل بحاجة إلى نظام مالي دولي مستقر، وإلى الوصول إلى الدولار، وإلى حماية عائداته النفطية، وإلى جذب شركات الطاقة العالمية.
بمعنى آخر، قد ينتهي الوجود العسكري الأميركي، لكن المصالح الاقتصادية الأميركية والدولية في العراق لن تختفي.
الطاقة تعيد رسم موقع العراق
التحول لا يتوقف عند النفط كمصدر للموازنة، وإنما يمتد إلى موقع العراق في سوق الطاقة.
خلال الأشهر الماضية، برزت تحركات لإعادة صياغة البنية التحتية النفطية العراقية وربطها بمسارات إقليمية جديدة.
صحيفة The National أشارت في يوليو/تموز إلى اتفاق عراقي–سوري لإحياء خط أنابيب كركوك–بانياس، مع قدرة أولية مستهدفة تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً عند اكتماله. كما ربطت الصحيفة المشروع بالتحولات التي تشهدها تجارة الطاقة في المنطقة. (The National)
وفي الوقت ذاته، ظهرت مفاوضات مع شركات طاقة دولية كبرى بشأن حقول عراقية مهمة.
وتحدثت الصحيفة عن مفاوضات بين العراق وشركة Chevron بشأن حقل غرب القرنة 2 والاستثمار في الناصرية، في وقت كان فيه العراق يبحث عن بدائل للشركات التي واجهت قيوداً بسبب العقوبات. (The National)
هذه التطورات تشير إلى أن العراق لا يريد أن يبقى مجرد منتج للنفط يرسل الخام إلى الأسواق، بل يسعى إلى توسيع خيارات التصدير، وجذب شركات عالمية، وربط الطاقة بالبنية التحتية والتجارة.
وهنا تصبح الجغرافيا العراقية جزءاً من المعادلة الاقتصادية.
الخليج يرى العراق من بوابة الموانئ
ربما يكون التغير الأكثر وضوحاً في النظرة الخليجية إلى العراق هو الانتقال من الحديث عن العراق كملف أمني إلى التعامل معه تدريجياً كسوق وممر تجاري.
وفي يوليو/تموز، نشرت The National تقريراً مطولاً عن رؤية بغداد لتطوير علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات.
التقرير أشار إلى تعاون عراقي–إماراتي في مجالات الموانئ والخدمات اللوجستية، مع مشاركة شركات إماراتية مثل AD Ports Group وGulftainer في تشغيل وربط الخدمات البحرية والموانئ العراقية. (The National)
هذه ليست مجرد استثمارات منفصلة.
الفكرة الأساسية هي بناء شبكة تجارية يكون العراق جزءاً منها.
فميناء الفاو الكبير، وموانئ أم قصر، والطرق البرية والسكك الحديدية، يمكن أن تجعل العراق نقطة عبور للبضائع بين الخليج وتركيا وأوروبا.
وهذا ما يجعل العلاقة مع دول الخليج ذات طبيعة مختلفة عن السابق.
بدلاً من أن تكون العلاقة محصورة في الملفات السياسية والأمنية، تصبح المصالح الاقتصادية نفسها وسيلة لإعادة بناء الثقة.
طريق التنمية.. الاختبار الأكبر
في قلب هذا التحول يأتي طريق التنمية.
المشروع الذي تبلغ كلفته التقديرية نحو 17 مليار دولار يهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير بالخليج مروراً بالعراق وتركيا عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية، بما يفتح ممراً تجارياً بين الخليج والأسواق الأوروبية. (The National)
والأهمية الاقتصادية للمشروع لا تكمن فقط في رسوم العبور.
فإذا اكتمل بالشكل المخطط له، يمكن أن تنشأ حوله منظومة اقتصادية كاملة تشمل:
- مراكز لوجستية.
- مناطق صناعية.
- مخازن ومستودعات.
- خدمات جمركية.
- شركات نقل.
- خدمات مالية وتأمينية.
- صيانة وتصنيع.
- وظائف مباشرة وغير مباشرة.
- استثمارات عقارية وخدمية حول مسارات النقل.
وبذلك يتحول العراق من أرض يعبرها النفط إلى أرض تعبرها التجارة أيضاً.
لكن هذا التحول ليس مضموناً بمجرد إنشاء الطرق والسكك.
فالممرات التجارية العالمية لا تختار أقصر مسافة فقط؛ بل تبحث عن الأمن، والاستقرار، وسرعة الإجراءات الجمركية، وكفاءة الموانئ، ووضوح القوانين، وتكلفة النقل، واستقرار الرسوم والضرائب.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العراق سيكون في تحويل طريق التنمية من مشروع بنية تحتية إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
البنك الدولي يدخل على خط الممرات الاقتصادية
الاهتمام الدولي بالبنية التحتية العراقية لا يقتصر على طريق التنمية.
ففي يونيو/حزيران 2026، وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 900 مليون دولار لمشروع الممرات الاقتصادية للنقل في العراق، بهدف تطوير طرق استراتيجية وتحسين الاتصال الداخلي والإقليمي ودعم فرص العمل. (البنك الدولي)
ويستهدف المشروع محورين رئيسيين، أحدهما يربط بغداد بالحدود التركية، والآخر يربط بغداد بسوريا والأردن.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تكشف عن نظرة مختلفة للاقتصاد العراقي: الطرق ليست مجرد بنية تحتية محلية، وإنما أدوات للاندماج الإقليمي.
ووفق البنك الدولي، فإن تحسين هذه الممرات يمكن أن يخفض تكاليف النقل، ويربط الأسواق والمناطق الصناعية والزراعية والسياحية، ويفتح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص. (البنك الدولي)
وهنا تبرز واحدة من أهم نقاط التحول في الاقتصاد العراقي: الانتقال من الإنفاق على مشاريع منفردة إلى التفكير في الممر الاقتصادي بوصفه منظومة إنتاج وتجارة.
تركيا.. البوابة الشمالية
في الجانب الآخر من المعادلة، تظهر تركيا كشريك اقتصادي لا يمكن تجاهله.
فالتبادل التجاري بين البلدين تجاوز 20 مليار دولار في 2024، وفق ما أوردته The National، فيما تعمل شركات تركية في قطاعات البناء والإسكان والطرق والمستشفيات والمناطق الصناعية داخل العراق. (The National)
وبالنسبة إلى بغداد، تمثل تركيا أكثر من مجرد سوق مجاورة.
إنها منفذ محتمل إلى الأسواق الأوروبية، وامتداد لوجستي لطريق التنمية، وشريك في ملفات الطاقة والمياه والتجارة.
ولهذا فإن نجاح العراق في بناء شبكة اقتصادية مع تركيا والخليج في وقت واحد قد يغير موقعه في الخريطة التجارية للمنطقة.
العراق هنا لا يحاول اختيار الخليج أو تركيا، بل يسعى إلى ربط الطرفين عبر أراضيه.
من الجغرافيا إلى القيمة الاقتصادية
لطالما قيل إن العراق يمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً.
لكن الجغرافيا وحدها لا تنتج عائداً اقتصادياً.
وهذه النقطة نفسها ظهرت في حديث وزير النقل العراقي وهّاب الحسني إلى The National، حين ربط بين الموقع الجغرافي وبين ضرورة وجود الاستثمار والبنية التحتية والإدارة الحديثة حتى يتحول الموقع إلى قوة اقتصادية. (The National)
المعادلة تبدو بسيطة:
موقع جغرافي + موانئ + طرق + سكك + تشريعات + أمن + قطاع خاص = ممر اقتصادي.
أما غياب أحد هذه العناصر فقد يحول المشروع إلى بنية تحتية مكلفة لا تحقق العائد المتوقع.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت مسألة الأمن مرتبطة مباشرة بالاقتصاد.
فالمستثمر لا يسأل فقط عن حجم السوق العراقي، وإنما عن إمكانية نقل أمواله وبضائعه وعماله بأمان، وعن قدرة الدولة على حماية العقود، وعن سرعة المحاكم والجمارك والمنافذ، وعن استقرار القوانين.
الصحافة الخليجية لا تفصل الاقتصاد عن ملف السلاح
التغطية الخليجية في اليوم التالي للانسحاب الأميركي تكشف هذه العلاقة بوضوح.
فـ The National ركزت على إعلان وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن الحكومة تستهدف إنهاء ملف السلاح خارج سيطرة الدولة بحلول 30 حزيران/يونيو 2027، بالتوازي مع حديثه عن تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة ودول الخليج. (The National)
كما ركزت Arab News على الموعد نفسه، وربطت نهاية مهمة التحالف ببدء مرحلة جديدة لمعالجة مسألة الأسلحة خارج سيطرة الدولة. (Arab News)
أما افتتاحية Arab News المنشورة اليوم، فقد اختارت زاوية أكثر حدة في تناولها لمستقبل العراق والنفوذ الإيراني، ما يعكس أن جزءاً من الصحافة الخليجية لا يزال ينظر إلى البيئة السياسية والأمنية العراقية باعتبارها محدداً أساسياً لعلاقاته الاقتصادية والإقليمية. (Arab News)
وهذا يعني أن الرسالة التي تصل إلى المستثمر الخليجي أو الدولي ليست اقتصادية فقط.
استقرار العراق السياسي والأمني أصبح جزءاً من العرض الاقتصادي نفسه.
الاقتصاد قد يكون أداة للسياسة الخارجية
هناك تحول آخر يستحق الانتباه.
العراق لا يريد فقط استقطاب الاستثمارات، بل يبدو أنه يحاول استخدام الاقتصاد لإعادة بناء علاقاته الإقليمية.
التعاون مع الإمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية، والانفتاح على السعودية، وتطوير العلاقات مع تركيا، واستمرار التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، كلها تتحرك ضمن شبكة واحدة.
وهنا يمكن للاقتصاد أن يتحول إلى أداة لتخفيف التوترات السياسية.
فكلما زادت الاستثمارات والمصالح التجارية بين العراق ودول الخليج وتركيا وأوروبا، أصبحت هناك مصالح مشتركة في حماية الطرق والموانئ والطاقة وسلاسل الإمداد.
وهذا بالضبط ما يجعل مشاريع النقل والطاقة مختلفة عن المشاريع التقليدية.
المشروع الاقتصادي الناجح لا يبني منشأة فقط؛ بل يبني شبكة مصالح.
لكن النفط ما زال نقطة الضعف
رغم كل هذه المؤشرات، فإن التحول إلى لاعب اقتصادي إقليمي لا يمكن اعتباره أمراً محسوماً.
العائق الأكبر هو استمرار اعتماد الدولة على النفط.
وتقرير رويترز الأخير بشأن إدارة عائدات النفط يوضح حجم الاعتماد على الإيرادات النفطية في المالية العامة العراقية. (Reuters)
وهذا يعني أن أي انخفاض كبير في أسعار النفط أو الصادرات يمكن أن ينعكس سريعاً على الإنفاق الحكومي والمشاريع والاستثمار العام.
لذلك فإن طريق التنمية والموانئ والمناطق الصناعية لن تكون بديلاً عن النفط في المدى القصير.
لكنها قد تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لتقليل اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط على المدى الطويل.
فالهدف ليس إيقاف تصدير النفط، وإنما استخدام إيراداته وموقع العراق الجغرافي لبناء قطاعات أخرى قادرة على توليد القيمة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانسحاب
الصحافة الأجنبية والخليجية لا تنظر إلى خروج القوات الأميركية بوصفه نهاية القصة العراقية، بل بداية اختبار جديد.
فالولايات المتحدة خرجت عسكرياً، لكن علاقاتها مع بغداد ستستمر في التدريب والاستخبارات والدفاع، فيما تبقى المصالح الاقتصادية والمالية والطاقة حاضرة بقوة. (The National)
ودول الخليج، من جانبها، لا تبدو منشغلة بالعراق أمنياً فقط؛ إذ تظهر في التغطية مشاريع ومبادرات مرتبطة بالموانئ والنقل والخدمات اللوجستية والتجارة. (The National)
أما تركيا فتتعامل مع العراق باعتباره ممراً تجارياً ومصدراً للطاقة وشريكاً اقتصادياً مهماً. (The National)
والبنك الدولي ينظر إلى الممرات العراقية كجزء من عملية أوسع للربط الإقليمي وتحريك القطاع الخاص. (البنك الدولي)
وهكذا، فإن الصورة التي تتشكل خارج العراق تبدو أكثر تعقيداً من مجرد سؤال: هل انتهى الوجود الأميركي؟
السؤال الاقتصادي الأهم هو:
ماذا سيفعل العراق بعد انتهاء الوجود العسكري لكي يجعل الاستقرار نفسه منتجاً اقتصادياً؟
العراق أمام فرصة.. ولكن بشروط
المرحلة الجديدة تمنح العراق مجموعة من الأوراق التي يصعب تجاهلها: احتياطيات نفطية ضخمة، موقع بين الخليج وتركيا، منافذ بحرية، مشروع طريق التنمية، سوق محلية كبيرة، حدود مع ست دول، واهتمام دولي متزايد بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.
لكن تحويل هذه الأوراق إلى نفوذ اقتصادي يحتاج إلى أكثر من المؤتمرات والاتفاقيات.
إنه يحتاج إلى استقرار تشريعي، وإدارة جمركية حديثة، وقضاء تجاري فعال، ومكافحة الفساد، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الكهرباء والمياه والاتصالات، وتمكين القطاع الخاص، وحماية المستثمر، وتطوير الموانئ والسكك والطرق، وتقليل كلفة ممارسة الأعمال.
والأهم من ذلك، يحتاج العراق إلى الحفاظ على مستوى من الاستقرار يسمح للمستثمر بأن يفكر في مشروع يمتد لعشر أو عشرين سنة، لا في مشروع يخشى توقفه عند أول أزمة سياسية أو أمنية.
من دولة نفطية إلى عقدة اقتصادية
إذا نجحت بغداد في تنفيذ هذه المتطلبات، فإن صورة العراق في الصحافة الدولية يمكن أن تتغير تدريجياً.
لن يعود العراق يُقرأ فقط من خلال داعش، والفصائل، والوجود الأميركي، والصراع الإيراني–الأميركي.
يمكن أن يصبح الحديث عن ميناء الفاو، وطريق التنمية، وممرات الطاقة، والتجارة الخليجية، والربط التركي، والاستثمار الصناعي، والسياحة، والزراعة، والخدمات اللوجستية جزءاً أساسياً من الأخبار العراقية في الخارج.
وهنا تصبح مغادرة القوات الأميركية نقطة بداية لمرحلة مختلفة، لا لأن الأمن لم يعد مهماً، بل لأن نجاح العراق في المرحلة المقبلة سيقاس بقدرته على تحويل الأمن والسيادة إلى استثمار وإنتاج وتجارة وفرص عمل وإيرادات غير نفطية.
وفي النهاية، لا يكفي أن يخرج العراق من صورة «ساحة للصراع».
التحول الحقيقي يبدأ عندما يصبح طرفاً يصنع الممرات التجارية، ويستقطب رأس المال، ويؤثر في حركة الطاقة والبضائع بين الخليج وتركيا وأوروبا.
فالخروج من المربع الأمني لا يعني التخلي عن الأمن؛ بل يعني أن يصبح الأمن شرطاً للاقتصاد، والاقتصاد أحد أدوات تثبيت موقع العراق في المنطقة.
وهذه هي المسافة التي تفصل بين عراق يعلن انتهاء مرحلة عسكرية، وعراق يبدأ فعلاً في بناء دور اقتصادي إقليمي.

