العراق وبداية نهاية الوجود الأميركي!

علي قاسم | كاتب سياسي عراقي 

لم تأتِ الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط كي تغادره بعد سنوات من الحضور. القوة التي عبرت المحيطات وأقامت قواعدها العسكرية في قلب المنطقة كانت تسعى إلى تثبيت موقع يتجاوز حماية المصالح الآنية. أرادت أن تكون حاضرة في معادلات الأمن والطاقة والتجارة. وأن تمتلك القدرة على التأثير في مسارات الصراع قبل أن تتحول إلى تهديد لمصالحها. ولهذا بدا وجودها لعقود جزءاً ثابتاً من بنية النظام الإقليمي.

لكن ثبات الحضور لا يعني ثبات دوافعه. القوى الكبرى تعيد حساباتها عندما تتغير كلفة النفوذ أو تتراجع العوائد المتوقعة منه. وربما يكون العراق اليوم إحدى النقاط التي بدأت عندها واشنطن تطرح سؤالاً مختلفاً. ليس كيف تحافظ على وجودها في المنطقة. وإنما ما الذي يستحق أن تبقى من أجله.

قبل سنوات من هذه اللحظة. تحدث السيد حسن نصر الله والسيد علي الخامنئي عن حتمية نهاية الوجود الأمريكي في المنطقة. كانت تلك التصريحات تُقرأ غالباً داخل سياق الصراع السياسي والعسكري مع واشنطن. لكن التحولات اللاحقة أعادت طرحها بمعنى مختلف. فالمسألة لم تعد مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة على إرسال قواتها والاحتفاظ بقواعدها. وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى نفوذ مستقر من دون تحمل كلفة متزايدة.

حين دخلت الولايات المتحدة العراق عام 2003. كانت تتصرف باعتبارها القوة القادرة على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية. لكن السنوات التالية كشفت فجوة واسعة بين التفوق العسكري والنتيجة السياسية. الاحتلال. وتفكك مؤسسات الدولة. والصراع الداخلي. وصعود تنظيم داعش. والتنافس الإقليمي. ثم المواجهة مع الفصائل المسلحة. كلها جعلت العراق أكثر تعقيداً مما افترضته الحسابات الأمريكية الأولى.

في هذه البيئة ظهر الدور الإيراني بوصفه أحد العوامل المؤثرة في مسار المشروع الأمريكي. فقد استطاعت طهران بناء علاقات واسعة مع قوى عراقية مختلفة. وتوسيع نفوذها داخل البيئة السياسية والأمنية التي تشكلت بعد عام 2003. ومع تصاعد المواجهة أصبحت الفصائل المسلحة المناوئة للوجود الأمريكي إحدى أدوات الضغط على القوات والقواعد الأمريكية.

لم يكن هذا العامل وحده كافياً لتفسير كل التعثر الأمريكي. فالأخطاء التي رافقت إدارة الاحتلال. وتفكك مؤسسات الدولة. وصعود داعش. والتناقضات السياسية العراقية. والتنافس الإقليمي. كلها أسهمت في تشكيل المشهد. لكن إبقاء القوات الأمريكية تحت ضغط مستمر جعل كلفة الوجود العسكري جزءاً من الحساب الاستراتيجي.

ثم جاءت الضربات الإيرانية المباشرة على القواعد والمنشآت الأمريكية لتضيف بعداً أكثر حساسية. فقد أظهرت تلك الضربات أن الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة لا يوفر حصانة كاملة للقوات والمنشآت. وأن المواقع التي كانت تُفترض ضمن منظومة الردع يمكن أن تتحول هي نفسها إلى أهداف. وقد أوقعت تلك الضربات خسائر بشرية ومادية كبيرة بحسب المعطيات المرتبطة بها. كما أخرجت بعض المواقع والمنشآت عن الخدمة لفترات مختلفة.

وهنا تتغير طبيعة الحساب الأمريكي. فالدولة الكبرى تستطيع إصلاح منشأة أو إعادة نشر قوات. لكنها لا تستطيع تجاهل احتمال استمرار استهداف قواعدها وسقوط مزيد من الخسائر البشرية والمادية. وكلما تكررت الضربات ارتفعت الحاجة إلى حماية الانتشار. من الدفاع الجوي إلى الاستخبارات إلى القوات الإضافية والجاهزية المستمرة. عندها يصبح السؤال أكثر صعوبة. هل تستحق القاعدة أو الموقع العسكري كل هذه الكلفة والمخاطر.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل الانسحاب من العراق قابلاً للقراءة باعتباره أكثر من إعادة توزيع للقوات. فالولايات المتحدة لم تعد تقيس وجودها العسكري بعدد الجنود والقواعد فقط. وإنما بمدى مساهمة هذا الوجود في حماية مصالحها الاستراتيجية. وإذا أصبحت تكلفة الانتشار أعلى من العائد السياسي والأمني المتوقع. فإن إعادة التموضع تصبح خياراً منطقياً حتى بالنسبة إلى قوة تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً.

وتكشف التجربة الأفغانية جانباً آخر من المعادلة. فقد أمضت الولايات المتحدة عقدين في حرب انتهت بانسحابها عام 2021 وعودة طالبان إلى السلطة. لم تكن أفغانستان امتداداً للصراع العراقي. لكن التجربتين كشفتا حدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة وطويلة الأمد. وهو درس يصعب تجاهله عندما تعيد واشنطن تقييم انتشارها الخارجي.

في الوقت نفسه تغيرت البيئة الدولية. الصين أصبحت منافساً استراتيجياً طويل الأمد. وأوروبا والحرب الروسية الأوكرانية تحتاجان إلى موارد واهتمام أمريكي. كما أن النظام الدولي نفسه يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة. وفي مثل هذه البيئة تصبح المحافظة على انتشار عسكري واسع في مناطق متعددة أكثر كلفة من السابق. وقد تجد واشنطن أن حماية مصالحها من مسافة أبعد أكثر ملاءمة من إدارة الصراعات بصورة مباشرة.

وهنا تكتسب التحركات السعودية أهمية خاصة. ففي الرابع عشر من فبراير عام 1945 التقى الملك عبد العزيز آل سعود بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد كوينسي في البحيرات المرة. كان العالم آنذاك أمام انتقال تاريخي في مركز القوة. وكانت بريطانيا تتراجع تدريجياً بينما كانت الولايات المتحدة تصعد إلى موقع القوة الغربية الأبرز. وأسست تلك المرحلة لعلاقة استراتيجية طويلة بين الرياض وواشنطن.

استحضار تلك اللحظة اليوم لا يعني أن التاريخ يعيد نفسه. فالظروف مختلفة. لكن المقارنة تكشف طريقة تعامل الرياض مع التحولات الكبرى في موازين القوة. فإذا كانت السعودية قد أدركت آنذاك صعود واشنطن وأعادت صياغة جانب مهم من علاقاتها الاستراتيجية على أساسه. فإن اهتمامها اليوم بتوسيع خياراتها الأمنية والإقليمية يمكن قراءته في إطار عالم أكثر تعدداً. عالم لا يبدو فيه الاعتماد على قوة واحدة كافياً لضمان الأمن.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام السعودي بالترتيبات والتحالفات الإقليمية. فالدول التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمريكية تجد نفسها أمام احتمال تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن واشنطن. وإنما الاستعداد لعلاقة مختلفة. علاقة تبقى فيها الشراكة قائمة. لكن من دون أن تكون القوات الأمريكية الأداة الرئيسية لإدارة كل أزمة.

ومع ذلك فإن الحديث عن نهاية الوجود الأمريكي يحتاج إلى تمييز واضح بين الوجود العسكري والنفوذ. فالولايات المتحدة تستطيع تقليص قواتها مع الاحتفاظ بأدوات تأثير واسعة عبر النظام المالي الدولي. وشبكات التسليح. والعلاقات الاقتصادية. والاستخبارات. والدبلوماسية. والمصالح المرتبطة بالطاقة وأمن إسرائيل والممرات البحرية. لذلك فإن التحول المحتمل لا يعني خروجاً أمريكياً كاملاً من المنطقة. وإنما انتقالاً من إدارة مباشرة ومكلفة إلى إدارة تعتمد بدرجة أكبر على الشركاء والأدوات غير العسكرية.

وأنا أميل إلى قراءة ما يحدث في العراق ضمن هذا التحول الأوسع. فالمواجهة مع الفصائل المسلحة رفعت كلفة الوجود الأمريكي. والضربات الإيرانية أظهرت أن القواعد والمنشآت الأمريكية ليست بعيدة عن دائرة الاستهداف. والمنافسة الدولية تدفع واشنطن إلى توزيع مواردها على ساحات متعددة. بينما تبحث القوى الإقليمية عن ترتيبات تمنحها قدرة أكبر على إدارة أمنها بنفسها.

لكن هذا المسار ليس مضموناً. فالولايات المتحدة قد تحتفظ بقواعد محدودة. وقد تعيد توزيع قواتها. وقد تعود إلى توسيع حضورها إذا ظهرت تهديدات تعتبرها واشنطن ذات أهمية مباشرة. كما أن القوى الإقليمية لا تتفق بالضرورة على تعريف التهديدات أو ترتيب الأولويات. ولذلك فإن الانسحاب من العراق لا يكفي وحده لإثبات نهاية الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط.

لكنه قد يكون علامة على نهاية نموذج معين من هذا الوجود. نموذج كانت فيه واشنطن حاضرة عسكرياً في قلب الصراعات وقادرة على إدارة تفاصيلها بالقوة المباشرة. أما النموذج القادم فقد يعتمد بصورة أكبر على الحلفاء. والاستخبارات. والتكنولوجيا. والتسليح. والاقتصاد. والردع من خارج مسارح الصراع.

في النهاية. قد لا يكون السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر الشرق الأوسط بالكامل. فمصالحها في المنطقة أعمق من أن تنتهي بانسحاب عسكري. السؤال الذي يستحق التأمل هو ما إذا كانت واشنطن ستظل مستعدة لدفع الكلفة نفسها من أجل الاحتفاظ بمستوى النفوذ ذاته.

فإذا كانت الضغوط العسكرية. والضربات الإيرانية. والخسائر التي لحقت بالقواعد والمنشآت الأمريكية. وتغير الأولويات الدولية. وتعدد مراكز القوة. كلها تدفع واشنطن إلى إعادة الحساب. فإن العراق قد يكون إحدى العلامات المبكرة على تحول أكبر.

وربما تكون رحلة المغادرة قد بدأت بالفعل. لا من الشرق الأوسط كله. وإنما من الفكرة التي جعلت الوجود العسكري الأمريكي المباشر يبدو وكأنه شرط دائم لاستقرار المنطقة.