هل نسينا النزوح وذهبنا إلى وزارة الذكاء الاصطناعي؟

د. سيف مسلم الكرعاوي | باحث أكاديمي عراقي

سألتني إحدى الصحفيات عن رأيي في استحداث وزارة للذكاء الاصطناعي في العراق، وأخذني الأمر إلى مكان آخر تماماً بعد أن أجبتها؛ وصار التفكير ليس في الدول التي سبقتنا في هذه التكنولوجيا فحسب، وإنما إلى العراق نفسه، وإلى المشكلات التي نعيشها اليوم، والتي لا تحتاج إلى كثير من البحث حتى نراها؛ ومن ضمنها مشكلات الماء، والجفاف، والتصحر، وتراجع الأراضي الزراعية، والنزوح الناتج عن الظروف البيئية؛ ملفات موجودة بالفعل، وليست توقعات لما يمكن أن يحدث بعد عشر أو عشرين سنة.

وربما يبدو الربط بين الذكاء الاصطناعي والتدهور البيئي غريباً في البداية، لكنني أعتقد أن السؤال واحد في الحالتين: أين تذهب أولويات الدولة؟ أنا لا أرى أن العراق ينبغي أن يبقى بعيداً عن الذكاء الاصطناعي، بل العكس تماماً؛ لا يمكن لدولة تريد أن يكون لها مكان في المستقبل أن تقف متفرجة أمام هذا التحول؛ لكن الانتقال إلى المستقبل لا يعني أن نتجاوز مشكلات الحاضر، أو أن يصبح إنشاء مؤسسة جديدة بديلاً عن معالجة الأزمات التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.

لنتحدث مثلاً عن النزوح، فالمنظمة الدولية للهجرة تتابع منذ سنوات حركة السكان المتأثرين بالجفاف في العراق، وتقول إن عدد الذين ظلوا نازحين بسبب الجفاف حتى 31 آب/أغسطس 2026 بلغ نحو 213,900 شخص؛ ونحن هنا لا نتحدث عن أرقام في تقرير بيئي بعيد عن حياة الناس، وإنما عن عائلات غادرت أماكنها، وعن قرى تفقد سكانها، ومدن تستقبل وافدين جدداً، وأعباء جديدة على السكن والخدمات وفرص العمل.

أما الماء، فربما يعترض أحدهم بالقول إن وضع الخزين المائي تحسن خلال 2026، وهذا صحيح، فقد تحدثت وزارة الموارد المائية عن وصول الخزين في نهاية الربيع وموسم ذوبان الثلوج إلى نحو 34 مليار متر مكعب أو أكثر بقليل، بعد أن بدأ الموسم الشتوي السابق بخزين لم يتجاوز نحو 5 مليارات متر مكعب، وهو من أدنى المستويات المسجلة منذ عام 1934؛ لكن الرقم نفسه يكشف حجم التذبذب الذي نعيش معه؛ فنحن انتقلنا خلال مدة قصيرة من خمسة مليارات إلى أربعة وثلاثين ملياراً، وهذا لا يعني أن أزمة المياه انتهت، بقدر ما يكشف هشاشة وضعنا المائي واعتمادنا على الظروف الموسمية والإيرادات الخارجية.

وقبل هذا التحسن بأشهر فقط، كانت وزارة البيئة تتحدث عن تراجع في الإيرادات المائية القادمة من دول المنبع تجاوز 40%، إلى جانب تأثيرات التغير المناخي. ولذلك فإن صورة سد ممتلئ في سنة جيدة لا ينبغي أن تجعلنا ننسى المشكلة الرئيسة، فالعراق بحاجة إلى إدارة مستدامة للمياه، وتحديث شبكات الري، وتقليل الهدر، ومعالجة التلوث، والاستعداد للسنوات التي لا تمنحنا فيها الأمطار والثلوج هذه الوفرة.

وحين نبحث عن حجم ما يحتاجه العراق بيئياً، تصبح المسألة أكبر؛ ففي الوقت الذي قدّرت فيه خطة الاستثمار المناخي للعراق الاحتياجات الاستثمارية المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ والتحول إلى اقتصاد أقل انبعاثاً بنحو 82.85 مليار دولار حتى عام 2030، قدّرت احتياجات قطاع إدارة الموارد المائية وحده بنحو 7.5 مليارات دولار، فيما قدّرت احتياجات قطاع النفايات ومياه الصرف والاقتصاد الدائري بنحو 7.05 مليارات دولار؛ أي إننا لا نفتقد معرفة حجم المشكلة، بل لدينا استراتيجيات وخطط وأرقام واضحة لما نحتاج إليه.

وهنا أعود إلى وزارة الذكاء الاصطناعي، فقبل أن نسأل من سيكون وزيرها، ربما علينا أن نسأل: ما الذي ستفعله؟ وكم ستكلف؟ وما المشكلة العراقية التي ستعالجها؟ خصوصاً أن المركز الوطني العراقي للذكاء الاصطناعي نفسه يقول إن 19 مؤسسة فقط من أصل 64 مؤسسة شملها قياس الجاهزية لديها خطط واضحة لرفع جاهزيتها للذكاء الاصطناعي، فيما يضع مؤشر إنجاز الاستراتيجية الوطنية خلال 2026 عند 40%؛ هذه الأرقام لا تعني التراجع عن الذكاء الاصطناعي، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن المرحلة التي نقف فيها فعلاً.

وربما هنا يمكن قلب السؤال كله: لماذا ننظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه وزارة قبل أن ننظر إليه بوصفه أداة؟ العراق الذي يعاني من أزمة مياه يستطيع أن يستثمر في أنظمة ذكية للتنبؤ بالجفاف وإدارة الإطلاقات المائية ومراقبة التجاوزات. والعراق الذي يفقد أراضي زراعية يستطيع الاستفادة من صور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي في متابعة التصحر وصحة المحاصيل. والعراق الذي تتكرر فيه العواصف الغبارية يستطيع بناء نماذج أكثر دقة للإنذار المبكر؛ عندها نشعر أن الذكاء الاصطناعي دخل حياة العراقيين فعلاً، لا أنه دخل الهيكل الإداري للدولة فقط.

بل إن وزارة الموارد المائية نفسها تقول إن الانتقال من أساليب الري القديمة إلى الأنظمة الحديثة، وتبطين الأنهر، والتحول من القنوات المفتوحة إلى الأنابيب، يحتاج إلى تمويل وأعمال هندسية واسعة. وهذه واحدة فقط من مشكلات العراق التي يمكن أن يلتقي فيها الاستثمار البيئي بالتحول التكنولوجي الحقيقي.

أطلق العراق في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026 مساهمته الوطنية المناخية المحدثة حتى عام 2035، وربط فيها العمل المناخي بأمن المياه والطاقة والاستثمار والتنمية المستدامة؛ لكن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لخّص التحدي بوضوح حين أشار إلى أن المرحلة التالية هي تحويل هذه الطموحات إلى تنفيذ واستثمارات ومؤسسات أقوى ونتائج ملموسة للناس. وربما تصلح هذه العبارة لملفات أخرى أيضاً: مشكلتنا ليست دائماً في غياب الاستراتيجيات والأسماء والمؤسسات، وإنما فيما يحدث بعدها.

لذلك فإن النقاش بالنسبة لي ليس بين البيئة والذكاء الاصطناعي، ولا بين وزارة البيئة ووزارة جديدة؛ فالعراق يحتاج إلى التكنولوجيا، وربما يحتاج مستقبلاً إلى إعادة بناء مؤسساته بما يتلاءم معها، لكن السؤال الذي ينبغي ألا نتجاوزه هو: هل نبدأ من الاسم أم من الحاجة؟ وهل الأفضل أن ننفق أولاً على وزارة جديدة، أم أن نضع الذكاء الاصطناعي داخل مشكلاتنا القائمة ونرى ماذا يستطيع أن يفعل للماء والزراعة والطاقة والصحة والتعليم؟

فإذا كان العراق يريد فعلاً أن يدخل عصر الذكاء الاصطناعي، فقد يكون الاختبار الأول لهذا الطموح بسيطاً: دعونا نرى ماذا يستطيع هذا «الذكاء» أن يفعل لأرض تفقد ماءها، وفلاح يترك أرضه، وعائلة تضطر إلى الانتقال من مكان عاشت فيه عشرات السنين. وبعدها ربما يصبح الحديث عن شكل المؤسسة التي تدير هذا الملف أكثر منطقية.