التقشف على المواطن والترف للمناصب!

علي قاسم | كاتب سياسي عراقي

لا تحتاج الأزمات الاقتصادية إلى كثير من الشرح كي يشعر الناس بوجودها. يكفي أن يكتشف رب الأسرة أن راتبه الذي كان بالكاد يغطي احتياجاته أصبح عاجزاً عن مواكبة الأسعار. وأن ما اعتاد شراءه بالأمس بات يحتاج اليوم إلى حسابات جديدة. عند هذه النقطة لا تعود السياسة الاقتصادية أرقاماً تتداولها المؤسسات. إنها تتحول إلى سؤال يومي عن قدرة الدولة على حماية مواطنيها من نتائج قراراتها.

في العراق. تبدو هذه المعادلة أكثر إيلاماً حين يُطلب من المواطن تفهم الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة. بينما لا يرى تغيراً مماثلاً في دخله الشهري يخفف عنه آثار تلك الضغوط. فالأزمة التي تتحدث عنها الدولة تصل إلى الأسواق بسرعة أكبر مما تصل معها إجراءات الحماية. وتبقى الأسرة أمام دخل محدود وأسعار متحركة وتاجر يملك في كثير من الأحيان مساحة واسعة لتمرير الزيادات إلى المستهلك. فيما تبدو أدوات الرقابة والمحاسبة أقل قدرة على ضبط إيقاع السوق وحماية القوة الشرائية.

هنا يبدأ التناقض الذي يستحق المساءلة. فالحكومة التي تستند إلى الأزمة المالية والديون وضغوط الإنفاق لتبرير خياراتها الاقتصادية مطالبة بأن تثبت أن تلك الخيارات جزء من خطة متكاملة لتصحيح المسار. لا أن تتحول الأزمة إلى تفسير جاهز لكل عبء جديد يُلقى على الناس. فرفع سعر الصرف أو تغيير السياسة النقدية لا يمكن عزله عن سنوات من الاعتماد على الإيرادات النفطية وضعف تنويع مصادر الدخل وتأخر بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تخفيف هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات الموارد.

المواطن لم يضع هذه السياسات على امتداد السنوات الماضية. ولم يكن مسؤولاً عن غياب استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد تنتقل بالعراق من اقتصاد يعتمد على الإنفاق الحكومي إلى اقتصاد ينتج ويصنع ويزرع ويوفر فرص العمل. ومع ذلك يجد نفسه في نهاية السلسلة أمام النتائج المباشرة. يدفع أكثر مقابل احتياجاته. ويحاول التكيف مع أسعار لا تتناسب بالضرورة مع مستوى دخله. ثم يُطلب منه أن يتفهم أن الدولة مضطرة إلى اتخاذ قرارات صعبة.

قد تكون لدى الحكومة مبررات مالية تدافع بها عن سعر الصرف. وقد ترى في بعض الإجراءات وسيلة لمعالجة اختلالات قائمة. لكن صحة المبررات لا تُثبت بمجرد إعلانها. إنها تحتاج إلى نتائج قابلة للقياس. وإلى سياسة تحمي الفئات التي تتحمل الأثر الأكبر. وإلى رقابة فعالة على الأسواق تمنع تحويل القرارات الاقتصادية إلى فرصة إضافية للتوسع في أرباح بعض التجار على حساب المستهلك.

المشكلة الأعمق تظهر حين نقارن هذا الخطاب بما يجري تداوله عن استحداث وزارات ومناصب عليا. فبينما يُقدَّم ضيق الموارد بوصفه سبباً يستدعي تحميل المجتمع كلفة المعالجة. تبدو الدولة مستعدة لمناقشة توسيع جهازها الإداري والسياسي في توقيت يحتاج فيه الإنفاق العام إلى مراجعة دقيقة لكل أولوية. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بوزارة جديدة أو منصب إضافي. بل بالمعيار الذي يحدد ما يستحق أن تنفق عليه الدولة أموالها.

إن إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي قد يكون خطوة مهمة إذا ارتبط بمشروع وطني للتحول الرقمي وتطوير التعليم والإدارة والخدمات. وفصل السياحة عن الثقافة والآثار قد تكون له مبررات مهنية إذا أثبتت الدراسات أن الهيكل الجديد سيحسن الأداء ويزيد الإيرادات ويعالج التداخل في الصلاحيات. لكن الدولة التي تريد إقناع مواطنيها بضرورة التقشف لا تستطيع الاكتفاء بالأسماء اللامعة والعناوين الإدارية. عليها أن تقدم حساباً واضحاً لما ستضيفه هذه التغييرات إلى الاقتصاد والخدمات العامة.

فكل وزارة جديدة تحتاج إلى بنية إدارية ومكاتب وموظفين ومخصصات تشغيلية. وكل منصب رفيع قد يستتبع نفقات للحماية والنقل والمراسم والمكاتب والملاك الوظيفي. وقد تبدو بعض هذه النفقات محدودة إذا نُظر إلى كل واحدة منها منفردة. لكن اجتماعها يكشف سؤالاً أكبر عن كفاءة الإنفاق وعن الأولويات التي تختارها الدولة في لحظة شح الموارد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية حين تُطرح أرقام من قبيل تخصيص نحو 134.2 مليار دينار لوزارة الثقافة والسياحة والآثار في موازنة عام 2025. أو حين تتداول الأوساط السياسية تقديرات عن الأعباء التي قد ترافق استحداث مناصب جديدة لنواب رئيس الوزراء. فهذه الأرقام والتقديرات تحتاج إلى تدقيق رسمي وتفصيل معلن. لكن جوهر المسألة لا يتوقف عليها وحدها. إذ ينبغي أن يكون السؤال حاضراً قبل اتخاذ القرار. ما الذي سيكسبه العراقيون من هذا الإنفاق. وما الذي سيخسرونه إذا وُجهت الأموال نفسها إلى أولويات أخرى.

كان يمكن لموارد إضافية أن تسهم في ترميم مستشفيات ومدارس تعاني نقصاً في البنى الأساسية. أو أن تدعم مشاريع صناعية تخفف الاعتماد على الاستيراد. أو أن توسع برامج تمويل القطاع الخاص وتمنح المشاريع الصغيرة والمتوسطة فرصة للنمو. أو أن تساعد القطاع الزراعي على تحسين الإنتاج وتقليل هشاشته أمام شح المياه وتقلبات السوق. وكان يمكن توجيه جزء منها إلى إدارة الالتزامات المالية وتسديد الديون وفق خطة واضحة. لا لأن هذه الخيارات خالية من الكلفة أو المخاطر. بل لأنها تملك إمكانية بناء قيمة اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود المنصب ومكتبه.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية. إذا كانت الدولة ترى أن مواردها لا تكفي وأن عليها اتخاذ قرارات تمس القدرة الشرائية للمواطن. فكيف تبرر في الوقت نفسه توسيع النفقات السياسية والإدارية. وهل خضعت المناصب والوزارات المقترحة لاختبار الجدوى نفسه الذي يُفترض أن تخضع له بقية أبواب الإنفاق. أم أن التقشف يصبح صارماً عندما يتعلق الأمر بدخل المواطن. ومرناً عندما يصل إلى بنية السلطة.

لا توجد أدلة كافية تسمح بالجزم بأن رفع سعر الصرف اتُّخذ تحديداً لتمويل هذه المناصب أو التسويات السياسية. والخلط بين التزامن والسببية لا يخدم الحجة. لكن تزامن الحديث عن الأعباء المالية مع مقترحات التوسع الحكومي يمنح المواطن حقاً مشروعاً في المطالبة بكشف الحساب. فمن حقه أن يعرف أين تذهب الموارد التي يُطلب منه تحمل كلفة الحصول عليها. وما إذا كانت الأولويات العامة تتقدم فعلاً على اعتبارات توزيع المناصب.

تتجاوز هذه المفارقة حدود الاقتصاد إلى طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة. فعندما يتعرض البلد لإخفاق أمني. يُطلب من الناس أن يتحملوا مسؤوليات الدفاع عن الوطن وحماية استقراره. وعندما تقع الأزمة الاقتصادية. يُطلب منهم الصبر على الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتبعات القرارات الحكومية. في الحالتين يجد المواطن نفسه في مقدمة من يتحملون الكلفة. بينما يحتاج إلى ضمانات أقوى بأن المسؤولية والمحاسبة تشملان أيضاً من يملكون سلطة القرار.

ليس المطلوب أن تتوقف الدولة عن إنشاء المؤسسات أو أن تُرفض كل مناصبها الجديدة مسبقاً. المطلوب أن تتغير طريقة التفكير في الإنفاق العام. فلا تُنشأ وزارة قبل إثبات الحاجة إليها. ولا يُستحدث منصب قبل إعلان كلفته وصلاحياته ومؤشرات نجاحه. ولا تُطلب تضحيات من الناس من دون مراجعة جادة للنفقات التي يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها. فالدولة التي تريد استعادة الثقة لا تكتفي بتفسير الأزمة. بل تثبت أنها مستعدة لتغيير السلوك الذي يجعلها تتكرر.

في تقديري. لا تكمن الأزمة العراقية في نقص الموارد وحده. وإنما في العلاقة بين الموارد والأولويات والمسؤولية. فبلد يمتلك إمكانات نفطية وزراعية وصناعية وبشرية واسعة لا ينبغي أن يبقى أسير إدارة مالية تلاحق الاختناقات بعد وقوعها. ثم تبحث عن حلول سريعة يتحمل المجتمع جانباً كبيراً من ثمنها. إن بناء الاقتصاد يحتاج إلى رؤية تتجاوز الدورة الحكومية الواحدة. وإلى مؤسسات تقاس قيمتها بما تنتجه لا بما تضيفه إلى الهيكل الإداري.

وقد يكون أبلغ ما يختصر هذا التناقض بيت الشعر للراحل مظفر النواب الذي يقول.

تفلسفُ ثم تنقضُ ثم لا عقمُ ولا حبلُ

فالمشكلة أن تتحدث السلطة عن الضرورة الاقتصادية حين تطلب من المواطن أن يدفع. ثم تتراجع عن منطق الضرورة نفسه عندما يتعلق الأمر بتوسيع مناصبها. عندها لا يعود التقشف سياسة اقتصادية متكاملة. بل يبدو كأنه عبء موزع باتجاه واحد.

والسؤال الذي يبقى أمام العراقيين ليس ما إذا كانت الدولة تمر بأزمة مالية. فالأزمات يمكن أن تواجهها دول كثيرة. وإنما ما إذا كانت الحكومة ستتعامل معها باعتبارها مسؤولية عامة تتطلب مراجعة الجميع. أم ستواصل نقل كلفتها إلى المواطن فيما تبقى امتيازات السلطة خارج دائرة التقشف والمساءلة.