شبكة إنماز نيوز | محرر الأخبار العراقية
أثارت تصريحات وزيرة البيئة سروة عبد الواحد بشأن مخاطر تناول الأسماك في العراق جدلاً واسعاً، بعدما تحدثت عن مخاوفها الشخصية من شراء الأسماك والمواد الغذائية المستخرجة من الأنهار، على خلفية ما قالت إنه تصريف للمخلفات الطبية ودماء المصابين بأمراض خطيرة في المياه من دون معالجة. لكن الموقف لم يتوقف عند التحذير، إذ سارعت وزارتها إلى توضيح الأبعاد العلمية للتصريح، فيما نفت وزارة الصحة طرح مخلفات مؤسساتها الصحية في الأنهار، لتفتح القضية باباً من التساؤلات بشأن واقع التلوث المائي، وآليات معالجة النفايات الطبية، ومدى التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية بحماية صحة العراقيين.
عبد الواحد: أخشى شراء الأسماك من الأنهار
كشفت وزيرة البيئة سروة عبد الواحد، الأحد (11 تشرين الأول 2026)، عن مخاوفها الشخصية من تناول الأسماك في العراق، عازية ذلك إلى ما وصفته بإلقاء مباشر للمخلفات والنفايات الطبية للمستشفيات في مياه الأنهار من دون معالجة.
وقالت عبد الواحد، في تصريح متلفز تابعته «بغداد اليوم»، إن بيانات وزارة الصحة تشير إلى أن 50% من المياه في العراق غير صالحة للاستخدام، فضلاً عن تراجع نسبة المياه الصالحة للشرب بشكل كبير.
وأضافت أنها أصبحت، منذ تسلمها ملف البيئة، تتردد في شراء الأسماك والمواد الغذائية من الأنهار، بسبب ما قالت إنه تصريف لنفايات المستشفيات ودماء المصابين بأمراض خطيرة، بينها فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، في النهر من دون معالجة.
ووصفت الوزيرة عدم معالجة هذه المخلفات بأنه «بمثابة قتل عمد للشعب العراقي»، في إشارة إلى خطورة التلوث البيئي وانعكاساته المحتملة على صحة المواطنين.
وزارة البيئة: التحذير لا يعني انتقال الإيدز عبر الأسماك
وفي أعقاب التصريحات، أصدرت وزارة البيئة بياناً أوضحت فيه أن تحذير الوزيرة بشأن تصريف المخلفات الطبية والمياه الملوثة غير المعالجة من المستشفيات إلى نهر دجلة يأتي في إطار التنبيه إلى التداعيات البيئية والصحية الخطيرة لهذه الممارسات، والتأكيد على ضرورة معالجتها وفق الضوابط والمعايير المعتمدة.
لكن الوزارة اعترضت على ما وصفته بتناول بعض التغطيات الإعلامية للتصريح بصورة غير دقيقة علمياً، ولا سيما الربط بين تصريف المخلفات الطبية وإمكانية انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر تناول الأسماك.
وأكدت أن الفيروس لا ينتقل عن طريق تناول الأسماك أو شرب المياه أو الأغذية، مشددة على أن التحذير من التلوث البيئي يستند إلى مخاطره الفعلية وآثاره المحتملة في صحة الإنسان والنظم البيئية، وليس إلى افتراض انتقال الفيروس بهذه الطرق.
كما أشارت الوزارة إلى أنها أعلنت في وقت سابق حالة الطوارئ البيئية، مؤكدة أنها لن تتهاون في كشف المخالفات التي يثبت أنها تلحق الضرر بالمواطنين أو تهدد سلامتهم.
ودعت وسائل الإعلام إلى تحري الدقة والمسؤولية في نقل التصريحات وصياغة العناوين، محذرة من التهويل وإثارة القلق غير المبرر، مع التأكيد أن التحذير من التلوث لا ينبغي أن يتحول إلى تضليل بشأن الحقائق العلمية.
وزارة الصحة تنفي تصريف مخلفات مؤسساتها في الأنهار
من جانبها، نفت وزارة الصحة ما تم تداوله بشأن طرح المخلفات الطبية التابعة لمؤسساتها الصحية في مياه الأنهار، مؤكدة أن الحديث عن انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر المياه أو الأسماك لا يستند إلى الحقائق العلمية المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية والجهات المختصة.
وأوضحت الوزارة، في بيان صدر الأحد، أن الفيروس لا ينتقل عبر المياه أو الطعام، بما في ذلك الأسماك، وإنما عبر طرق محددة ومعروفة علمياً.
وأكدت أن وحدات معالجة المياه الثقيلة التابعة للمؤسسات الصحية تعمل على معالجة المخلفات السائلة والصلبة وفق الآليات العلمية المعتمدة، مشيرة إلى أن مياه الصرف الصحي تمر عبر شبكات المجاري الرئيسة باتجاه محطات المعالجة في بغداد والمحافظات، ومنها محطة الرستمية بالنسبة إلى دائرة مدينة الطب، وفق السياقات المعمول بها والموثقة بالكتب الرسمية.
وفي ما يتعلق بمحطة معالجة المياه الواقعة قرب مدينة الطب في منطقة باب المعظم ببغداد، المعروفة باسم (T1)، أوضحت الوزارة أنها تابعة لأمانة بغداد، وليست لوزارة الصحة، وأن مياه الصرف الصحي الناتجة عن مؤسسات الوزارة لا تُصرّف إلى هذه المحطة.
وشددت الصحة على أهمية الاستناد إلى الحقائق العلمية والوثائق الرسمية عند تناول القضايا الصحية، وعدم تداول معلومات غير دقيقة من شأنها إثارة القلق بين المواطنين.
خاتمة: أين تقف الحقيقة بين التحذير والنفي؟
وبين تحذير وزيرة البيئة وتوضيحات وزارتها ونفي وزارة الصحة، تبقى القضية الأهم مرتبطة بمدى سلامة المياه العراقية، وكفاءة محطات المعالجة، والرقابة على تصريف المخلفات الطبية والصناعية والصرف الصحي.
فاستبعاد انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر الأسماك أو المياه لا يعني أن التلوث المائي خالٍ من المخاطر؛ إذ يمكن لبعض الملوثات الكيميائية والميكروبية أن تشكل تهديداً للصحة العامة والنظم البيئية، بحسب طبيعتها وتركيزها ومستوى التعرض لها.
ومن هنا، فإن حسم الجدل لا ينبغي أن يقتصر على تبادل البيانات أو تصحيح التصريحات، بل يتطلب نشر نتائج فحوصات المياه ومواقع أخذ العينات، والكشف عن نتائج التفتيش البيئي، وتوضيح مسارات تصريف المخلفات وآليات معالجتها، مع تحديد المسؤوليات القانونية عند ثبوت أي مخالفة.
فالمواطن العراقي لا يحتاج إلى تحذيرات تثير الخوف وحدها، ولا إلى بيانات تنفي المخاطر من دون أدلة منشورة؛ بل يحتاج إلى معلومات علمية موثقة تكشف حقيقة ما يجري في الأنهار، وتضمن أن تكون حماية صحته أولوية فعلية لا مادة للجدل بين المؤسسات الحكومية.

