الشريك الاستراتيجي المؤهل… هل تستطيع المصارف العراقية العودة إلى النظام المالي العالمي دون شريك مصرفي موثوق؟

د.علي محمد عطا | خبير في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

بعد انتهاء دورة التقييم الأولى في 30 أيلول 2026، تدخل خطة إصلاح القطاع المصرفي العراقي الخاص مرحلة أكثر أهمية، تتجاوز مسألة استيفاء رأس المال والسيولة إلى اختبار قدرة المصارف على استعادة الثقة الدولية.

السؤال الجوهري: هل يستطيع أي مصرف عراقي فتح حساب مراسل مباشر لدى بنك أمريكي دون وجود شريك استراتيجي من المؤسسات المالية العالمية؟

من الناحية القانونية، لا تشترط القواعد الأمريكية بصورة عامة وجود شريك أجنبي. لكن من الناحية العملية، فإن الحصول على علاقة مراسلة بالدولار يواجه تحديات كبيرة عندما تفتقر المؤسسة المصرفية إلى سجل امتثال موثوق، وملكية شفافة، وحوكمة مستقلة، وأنظمة فعالة لإدارة المخاطر، وهنا تكمن أهمية الشريك الاستراتيجي المؤهل.

فالشراكة مع مؤسسة مالية دولية رصينة ليست مجرد زيادة لرأس المال أو تغيير في نسب المساهمين، وإنما قد تمثل تحولاً مؤسسياً يعزز الثقة ويتيح نقل الخبرات والأنظمة والقدرات الرقابية.

وقد تضمنت معايير الإصلاح المصرفي العراقي متطلبات تتعلق بالمستثمر المؤسسي المؤهل (QII)، وهي مسألة ينبغي التمييز فيها بين الالتزام الرقابي المحدد وبين أهمية استقطاب شريك مصرفي دولي ذي خبرة وسمعة.

إن التقييم الحقيقي للمصارف يجب أن يتجاوز الأرقام المالية ليشمل:
شفافية هيكل الملكية والكشف عن المستفيد الحقيقي والأطراف المرتبطة.
استقلال مجلس الإدارة والحد من نفوذ كبار المساهمين.

فعالية أنظمة الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والعقوبات الدولية.

كفاءة إدارة المخاطر والرقابة الداخلية والتدقيق المستقل.

قدرة المصرف على إثبات سلامة معاملاته أمام البنوك المراسلة الدولية.

لقد أكد البنك المركزي العراقي أن إعادة دمج المصارف المقيدة في قنوات المراسلة بالعملات غير الدولارية ترتبط باستيفاء متطلبات الإصلاح، بينما يتطلب التعامل بالدولار الأمريكي اجتياز مراحل إضافية.

وهذا يعني أن اجتياز التقييم المحلي لا يساوي تلقائياً القبول في النظام المصرفي الأمريكي.

ومن هنا، فإن تشجيع مشاركة المصارف والمؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة في ملكية المصارف العراقية يجب أن يكون أحد التوجهات الاستراتيجية للمرحلة القادمة، شريطة أن تكون مشاركة حقيقية في الإدارة والحوكمة وتطوير الامتثال، لا مجرد مساهمة شكلية.

رسالتي إلى المصارف العراقية: لا تجعلوا هدف الإصلاح مجرد الاحتفاظ بالإجازة المصرفية، بل اجعلوه بناء مؤسسة قادرة على كسب ثقة البنوك العالمية.

ورسالتي إلى الجهة الرقابية: نجاح الإصلاح لا يقاس بعدد المصارف التي تستمر، وإنما بعدد المصارف التي تصبح مؤهلة فعلياً للتعامل مع النظام المالي الدولي، وفق معايير موضوعية وعادلة وشفافة.
الخلاصة: رأس المال يمنح المصرف القدرة المالية، والامتثال والحوكمة يمنحانه المصداقية، أما الثقة الدولية فهي التي تفتح أبواب المراسلة المصرفية.