فاتورة الأزمات يدفعها المواطن: أوروبا تشتعل بين أوكرانيا وأزمة هرمز

علي قاسم | كاتب سياسي عراقي

لم تعد الأزمات الأوروبية محصورة في تقارير الاقتصاد ومؤشرات التضخم. فقد انتقلت إلى الشوارع. في السابع عشر من أكتوبر الجاري خرج مئات الآلاف إلى الشوارع الفرنسية. وتراوحت تقديرات المشاركين بين 550 ألفاً و800 ألف شخص. وفي بلجيكا والبرتغال وألمانيا تتعدد الاحتجاجات والمطالب بين ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن والاعتراض على سياسات التقشف والإنفاق العسكري. تختلف أسباب هذه الاحتجاجات من بلد إلى آخر. لكن اجتماعها يكشف عن ضغط متزايد على المجتمعات الأوروبية وشعور متنام بأن الأعباء تتزايد بينما تتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.

هنا تبدأ الحكاية الأوسع. فالحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة والتوترات المحيطة بمضيق هرمز تبدو ملفات منفصلة جغرافياً وسياسياً. لكنها تلتقي عند نقطة واحدة. وهي الكلفة الاقتصادية التي تنتقل من قرارات الدول وصراعاتها إلى حياة المواطنين.

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وجدت الحكومات الأوروبية نفسها أمام التزامات مالية وعسكرية متزايدة لدعم كييف. وتشير التقديرات الأوروبية إلى أن إجمالي الدعم المقدم لأوكرانيا تجاوز 100 مليار يورو عند احتساب أشكال الدعم المختلفة. ولم يعد الأمر مقتصراً على المساعدات الإنسانية أو الدعم الطارئ. فقد أصبح جزءاً من استراتيجية أمنية طويلة الأمد ترتبط بمستقبل العلاقة مع روسيا وبإعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية.

هذه الخيارات لها مبرراتها الأمنية والسياسية. لكن لكل خيار كلفة. فتمويل المساعدات الخارجية وتوسيع الإنفاق العسكري يحتاجان إلى موارد مستمرة. وفي الوقت نفسه تحتاج المجتمعات الأوروبية إلى تمويل المستشفيات والمدارس وشبكات النقل والإسكان والرعاية الاجتماعية. وعندما تتزايد الالتزامات بينما تضيق المساحة المالية المتاحة أمام الحكومات يصبح التنافس على الموارد أكثر حدة.

لا يعني ذلك أن كل يورو يذهب إلى أوكرانيا يُقتطع مباشرة من مدرسة أو مستشفى. فالموازنات أكثر تعقيداً من هذه المعادلة المباشرة. لكن استمرار الالتزامات العسكرية والخارجية يفرض أسئلة حقيقية حول الأولويات وكلفة الاقتراض والضرائب وما قد تتحمله الخدمات العامة من ضغوط. وهنا تظهر المعضلة السياسية. كيف تستطيع الحكومات حماية أمنها الخارجي من دون أن يشعر المواطن بأن احتياجاته الداخلية تأتي في مرتبة متأخرة.

في ألمانيا برز هذا التوتر في الشعارات التي تطالب بتوجيه الأموال إلى الاحتياجات الاجتماعية بدلاً من الحروب. وهذا التحول مهم سياسياً. فالاعتراض لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق. بل بالغاية التي يُنفق المال من أجلها. وبمدى اقتناع المواطن بأن ما تتحمله الدولة اليوم سيحقق له أمناً واستقراراً في المستقبل.

عندما يشعر المواطن بأن الإنفاق الدفاعي يتوسع بينما تتراجع قدرته على دفع الإيجار أو تغطية نفقات الأسرة فإن النقاش ينتقل من المجال الاستراتيجي إلى المجال الاجتماعي. وقد تختلف تقديرات الناس لمخاطر الحرب وضرورة دعم أوكرانيا. لكنهم يلتقون عند مطلب واضح. ألا تتحول حماية أمن الدولة إلى مبرر دائم لتأجيل احتياجات المجتمع.

ثم تأتي الطاقة لتزيد هذه المعادلة تعقيداً. فقد بلغ التضخم السنوي في منطقة اليورو نحو 10.6 في المئة في أكتوبر 2022. وارتفعت أسعار الطاقة بنحو 41.5 في المئة على أساس سنوي في الشهر نفسه. وقد كشفت تلك المرحلة مدى سرعة انتقال صدمات الطاقة إلى تكاليف النقل والتصنيع والتدفئة والغذاء. وحتى عندما يتباطأ التضخم لا تعود الأسعار المرتفعة تلقائياً إلى مستوياتها السابقة. ولهذا قد يستمر الضغط على الأسر حتى بعد انحسار موجة ارتفاع الأسعار.

وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز. فهذا الممر البحري يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط العالمية. وقد عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والسوائل النفطية في عام 2024. وأي اضطراب واسع في حركة الملاحة فيه يمكن أن يرفع مخاطر الإمدادات وكلفة الشحن والتأمين. وقد ينعكس ذلك على أسعار الطاقة حتى في الدول البعيدة جغرافياً عن الخليج.

إن خطورة أزمة هرمز لا تكمن فقط في احتمال نقص الإمدادات. بل في حالة عدم اليقين التي تصيب الأسواق. فقد تدفع المخاطر المتوقعة الأسعار إلى الارتفاع قبل ظهور نقص فعلي في المعروض. وعندما تترافق هذه الضغوط مع التزامات دفاعية مرتفعة ومشكلات معيشية داخلية تصبح قدرة الأسر والشركات على امتصاص الصدمة أقل.

وأنا أرى أن القضية الأهم ليست تحميل الحرب الأوكرانية وحدها مسؤولية الأزمات الأوروبية. فهذا تبسيط لا يساعد على فهم ما يجري. فهناك عوامل داخلية تتعلق بسياسات الإسكان وسوق العمل والضرائب وإدارة الخدمات العامة. لكن الحرب والإنفاق الدفاعي وأمن الطاقة تضيف أعباء جديدة إلى مشهد مثقل أصلاً بالتحديات. والمشكلة تبدأ عندما تفقد الحكومات القدرة على إقناع مواطنيها بأن توزيع هذه الأعباء عادل.

المستقبل يتوقف على مسارات عدة. فإذا استمرت الحرب الأوكرانية فستظل المساعدات والالتزامات الدفاعية تضغط على الموازنات. وقد تضطر الحكومات إلى الاقتراض أو إعادة ترتيب النفقات أو تأجيل بعض المشروعات. وإذا تعرض مضيق هرمز لتعطل واسع ومستمر فقد تواجه أوروبا صدمة جديدة في الطاقة تعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة. أما المسار الثالث فيتمثل في إعادة ترتيب الأولويات الأوروبية عبر تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتنويع الإمدادات وتحسين كفاءة الاستهلاك وتنسيق المشتريات الدفاعية لتقليل الهدر والتكاليف. غير أن هذه الخيارات تحتاج إلى وقت واستثمارات ولن تعالج وحدها الأعباء المعيشية الآنية.

الخطر الأكبر لا يكمن في الاحتجاج بحد ذاته. فالاحتجاج جزء من الحياة الديمقراطية. إنما يكمن في استمرار الفجوة بين القرارات الاستراتيجية واحتياجات المجتمع. وعندما يشعر المواطن بأن التضحيات أصبحت دائمة بينما تبقى النتائج غير واضحة فقد تتراجع ثقته بالأحزاب الحاكمة وتتقدم قوى سياسية تعد بتغيير الأولويات. عندها يتحول الضغط الاقتصادي إلى عامل يعيد تشكيل المشهد السياسي الأوروبي.

في نهاية المطاف لا يدفع المواطن فاتورة الأزمات من خلال الضرائب وحدها. إنه يدفعها أيضاً عندما ترتفع أسعار الوقود والغذاء والنقل. وعندما يصبح السكن أبعد عن قدرته المالية. وعندما تتراجع جودة الخدمات أو تتأجل المشروعات التي يحتاج إليها.

وأنا أرى أن الاحتجاجات الأوروبية تحمل تحذيراً يتجاوز حدود القارة. تستطيع الدول الدخول في التزامات خارجية واسعة. لكنها لا تستطيع ضمان استدامتها إذا تجاهلت قدرتها الاقتصادية الداخلية وحدود صبر مجتمعاتها. فالأمن لا يُقاس بالقدرات العسكرية وحدها. بل بقدرة الدولة على حماية مجتمعها من تداعيات قراراتها أيضاً. وحين تصبح فاتورة الأزمات أثقل من قدرة المواطن على الاحتمال فإن الأزمة لا تبقى اقتصادية. إنها تتحول إلى اختبار لشرعية القرار السياسي نفسه.