ضحى عبوش | باحثة وكاتبة في الشأن الاقتصادي والطاقة
يقف الاقتصاد العراقي أمام مرحلة مالية شديدة الحساسية، في ظل تداعيات الأزمة الإقليمية واضطراب صادرات النفط عبر مضيق هرمز، وما نتج عنها من ضغوط على الإيرادات الحكومية والاحتياطيات الأجنبية، في اقتصاد لا يزال يعتمد بصورة أساسية على النفط في تمويل موازنته.
وفي 29 تشرين الأول 2026، أعلن صندوق النقد الدولي بدء التواصل مع السلطات العراقية للتحضير لبرنامج دعم تمويلي جديد، بعد تقديم العراق طلباً رسمياً للحصول على الدعم المالي.
وتكشف توقعات الصندوق لشهر تشرين الأول 2026 عن انكماش محتمل للاقتصاد العراقي بنسبة 16% خلال العام الحالي، مع ارتفاع التضخم إلى 3.5%، واتساع عجز الحساب الجاري إلى 10.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وهي مؤشرات تعكس عمق الصدمة التي تعرض لها الاقتصاد، خصوصاً مع تراجع قدرته على تصدير النفط.
وفي السياق ذاته، تشير بيانات مشروع موازنة 2027 إلى إنفاق تقديري يبلغ 217.2 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 174.2 تريليون دينار، ما يترك عجزاً يقدر بنحو« 43-47» تريليون دينار. كما تراجعت الاحتياطيات الأجنبية، وفق البيانات التي أوردتها تقارير اقتصادية نقلاً عن بيانات البنك المركزي، من نحو 109 مليارات إلى 80.6 مليار دولار.
لكن السؤال الأهم: هل يمثل الاقتراض من صندوق النقد الدولي مخرجاً للأزمة، أم أنه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الإصلاحات المالية التي تنعكس على المواطن؟
إن الحصول على التمويل لا يعني بالضرورة فرض إجراءات محددة مسبقاً، إذ تتوقف طبيعة الإصلاحات على المفاوضات والاتفاق النهائي. غير أن توصيات الصندوق السابقة للعراق تشير إلى اتجاهات تشمل ضبط الإنفاق العام، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وإصلاح المؤسسات الحكومية ومنظومة الدعم.
ويبرز قطاع الكهرباء بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية. فقد أشار تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025 إلى أن النفقات التشغيلية للقطاع بلغت نحو 16 تريليون دينار في 2022، مقابل إيرادات محصلة تقارب تريليوني دينار فقط من الكهرباء المباعة.
ولهذا أوصى الصندوق بتحسين الجباية، وتسريع نشر العدادات الذكية، ومراجعة التعرفة تدريجياً بعد تحسن التحصيل، مع توجيه الدعم بصورة مدروسة إلى الفئات محدودة الدخل.
وهذا يفتح احتمال إعادة هيكلة دعم الكهرباء والطاقة والمشتقات النفطية، إلى جانب مراجعة بعض النفقات الحكومية، وضبط فاتورة الرواتب والتقاعد، وتوسيع الإيرادات الضريبية والكمركية.
وتكمن حساسية هذه الإجراءات في آثارها المحتملة؛ فأي زيادة في التعرفة أو تقليص للدعم دون تحسين جودة الخدمات ومعالجة الهدر والتجاوزات قد يرفع كلفة الإنتاج والنقل والخدمات، وينعكس على أسعار السلع والقدرة الشرائية للمواطن. كما أن زيادة الرسوم والضرائب أو تقليص النفقات دون حماية اجتماعية قد ينقل جانباً من كلفة الإصلاح إلى الأسر والقطاع الخاص.
لذلك، لا تكمن القضية في رفض الإصلاح المالي، بل في كيفية تنفيذه وتوزيع أعبائه. وينبغي أن تبدأ المعالجة من تقليل الهدر، وتحسين كفاءة المؤسسات، وتعزيز الرقابة على المال العام، قبل تحميل المواطنين أعباء إضافية.
ومن أبرز أولويات الإصلاح المطلوبة:
1. إعادة هيكلة الإنفاق العام وتقليل النفقات غير المنتجة.
2. إصلاح قطاع الكهرباء ومعالجة الهدر وضعف الجباية قبل زيادة التعرفة.
3. حماية الفئات محدودة ومتوسطة الدخل من آثار تعديل منظومة الدعم.
4. تنمية الإيرادات غير النفطية وتحفيز الصناعة والزراعة والاستثمار.
5. إصلاح المؤسسات الحكومية وتعزيز الشفافية والرقابة المالية.
6. توجيه التمويل الخارجي نحو مشاريع إنتاجية وإصلاحات هيكلية تحقق عائداً اقتصادياً مستداماً.
إن الاقتراض قد يوفر للعراق مساحة مالية مؤقتة، لكنه لا يحقق الاستدامة الاقتصادية ما لم يرتبط بإصلاحات تعالج أسباب العجز والاعتماد المفرط على النفط.
فالتحدي الحقيقي ليس في حجم القرض الذي سيحصل عليه العراق، بل في كيفية توظيفه، وطبيعة الإصلاحات المصاحبة له، ومدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية.
ويبقى السؤال: هل ستتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد العراقي، أم أن كلفة معالجة الاختلالات المالية ستنتقل مرة أخرى إلى المواطن؟

