بغداد – في تقرير حديث لصندوق النقد الدولي، حذّر خبراء ماليون من أن العراق يواجه أزمة مالية متصاعدة قد تؤدي إلى اختناق اقتصادي، في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط، واعتماد الموازنة العامة بنسبة تتجاوز 90٪ على إيرادات النفط الخام.
وأكد التقرير أن نسبة العجز المالي للعراق خلال عام 2024 بلغت 4.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت 1.1٪ في 2023، مع توقّعات بانخفاض النمو غير النفطي إلى أقل من 1٪ خلال 2025، نتيجة ضعف الاستثمارات وزيادة النفقات التشغيلية.
من جهته، صرّح المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، الدكتور مظهر محمد صالح في تصريحات صجفية، بأن الحكومة تسعى جاهدة لتأمين رواتب الموظفين، حتى لو اضطرّت إلى استخدام احتياطات الطوارئ أو أموال الأمانات الضريبية، مؤكدًا أن “الرواتب تُعدّ أولوية وطنية لا يمكن التهاون بها”.
ومع ذلك، أعرب خبراء اقتصاد عن قلقهم من أن استمرار سحب الأموال غير المخصصة للنفقات التشغيلية سيؤدي إلى استنزاف السيولة، ويعرّض العراق لخطر الانزلاق إلى أزمة نقدية يصعب احتواؤها.
وفي ذات السياق، أشار تقرير للبنك الدولي إلى أن العراق يواجه تحديات هيكلية كبيرة، أبرزها:
- تضخم القطاع الحكومي على حساب القطاع الخاص.
- هدر في قطاع الكهرباء بنسبة تتجاوز 55٪ بسبب التوصيلات غير النظامية.
- غياب إصلاحات ضريبية فاعلة.
- ضعف الاستثمارات في الطاقة المتجددة والبنية التحتية.
تحليل إنماز:
تشير هذه المؤشرات إلى أن العراق لا يواجه فقط أزمة مؤقتة بسبب تراجع أسعار النفط، بل يمر بمرحلة مفصلية في تاريخه الاقتصادي، نتيجة الاعتماد شبه الكامل على مورد واحد، وضعف أدوات الحوكمة المالية.
تتمثل أبرز مظاهر الأزمة فيما يلي:
- الاعتماد المفرط على النفط: مع كل انخفاض في أسعار النفط، تتعرّض الموازنة العامة للاضطراب، ويُعاد فتح باب الاقتراض أو المساس بالاحتياطيات.
- ترهّل القطاع العام: أكثر من 40٪ من الإنفاق العام يذهب للرواتب، دون وجود إنتاجية فعلية، ما يجعل هذا النموذج المالي غير مستدام.
- غياب التنويع الاقتصادي: لا تزال القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، السياحة) مساهمتها ضئيلة جدًا في الناتج المحلي.
- ضعف إدارة المال العام: مع استمرار هدر الكهرباء، وتأخُّر في إنجاز المشاريع، تبقى الإيرادات تُهدر دون عائد حقيقي.
ماذا يعني ذلك للمواطن العراقي؟
- احتمالية تأخر الرواتب في الأشهر المقبلة.
- ضغط أكبر على الخدمات العامة.
- تراجع قيمة الدينار إذا زادت الحاجة إلى التمويل بالعُملة المحلية.
- غياب فرص العمل الجديدة في ظل تجميد التوظيف.
ما المطلوب؟
لمنع الانهيار، لا بد من:
- إصلاح ضريبي حقيقي يضمن عدالة التحصيل.
- تقليل الاعتماد على النفط من خلال دعم الصناعة والزراعة.
- ترشيد الإنفاق الحكومي وإلغاء الوظائف الوهمية.
- استثمار حقيقي في الطاقة المتجددة لتخفيف الضغط على الشبكة الوطنية.
العراق أمام لحظة حاسمة: إما أن يُعالج أزماته عبر إصلاح جذري حقيقي، أو يستمر في الدوامة الاقتصادية التي لن تنقذه منها الأسعار النفطية وحدها. فالأزمات لا تُحل بالتصريحات، بل بالتخطيط الجاد، والشفافية، والمحاسبة.
وفي بلد يعاني أغلب شعبه من الفقر والتهميش، فإن الفشل في التحرك اليوم سيكون ثمنه باهظًا غدًا.

