واجهة رقمية لأموال غامضة: كيف تحوّلت بعض البثوث المباشرة إلى بوابة لغسيل الأموال في العراق؟

سدن سالم – في السنوات الأخيرة، لم يعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي في العراق مقتصراً على الترفيه أو صناعة المحتوى، بل امتد ليشمل أبعاداً اقتصادية ومالية معقّدة، تثير قلق الجهات الرقابية والمختصين. فمع الانتشار الواسع لتطبيقات مثل تيك توك، برزت أنماط جديدة من التعاملات المالية، خصوصاً عبر البث المباشر ونظام الهدايا الافتراضية، وسط تحذيرات من استغلالها في عمليات يُشتبه بارتباطها بغسيل الأموال.

تعتمد هذه الآلية على قيام المتابعين بإرسال هدايا رقمية خلال البثوث المباشرة لمشاهير المنصات، سواء كانوا مؤثرين، بلوكرز، أو ما يُعرف بـ“الفانشستات”. وتُحوَّل هذه الهدايا داخل المنصة إلى رصيد مالي يمكن سحبه لاحقاً كأرباح نقدية عبر وسطاء أو محافظ إلكترونية. وعلى الرغم من أن هذا النظام يُعد في جوهره جزءاً من اقتصاد المحتوى الرقمي، إلا أن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن غياب الشفافية حول مصدر الأموال وهوية المانحين يجعل منه أداة قابلة للاستغلال.

وبحسب مختصين، فإن بعض الجهات أو الأفراد قد يلجأون إلى تمرير أموال كبيرة عبر إرسال هدايا افتراضية بكثافة إلى حسابات معيّنة، أحياناً باتفاق مسبق، ليتم لاحقاً سحب هذه الأموال وإظهارها كعوائد ناتجة عن نشاط رقمي مشروع. هذه العملية، التي تتم على مراحل متفرقة وبمبالغ صغيرة نسبياً، تصعّب من مهمة التتبع المالي، وتخلق ما يشبه واجهة قانونية لأموال مجهولة المصدر.

ويحذّر خبراء في الشأن المالي من أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في حجم الأموال، بل في سهولة دمجها داخل النظام المالي دون المرور بإجراءات تدقيق صارمة، مقارنة بالقنوات المصرفية التقليدية. كما أن تعدد الوسطاء الرقميين، وارتباط المنصات بشركات خارج العراق، يضيف تعقيدات قانونية وتنظيمية أمام الجهات الرقابية.

قانونياً، يُعد غسيل الأموال جريمة يعاقب عليها القانون العراقي بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، الذي يجرّم تحويل أو إخفاء أو تمويه مصدر الأموال المتحصلة من أنشطة غير مشروعة، بغضّ النظر عن الوسيلة المستخدمة. ويؤكد قانونيون أن النصوص القانونية تشمل أيضاً الوسائل الرقمية الحديثة، حتى وإن لم يُنص عليها بشكل تفصيلي عند تشريع القانون.

في هذا السياق، يرى مختصون أن التحدي الأكبر يكمن في مواكبة التشريعات للتطور السريع في اقتصاد المنصات الرقمية، حيث بات بعض المؤثرين يحققون دخلاً يفوق ما تحققه شركات صغيرة، دون وجود أطر واضحة للإفصاح الضريبي أو المالي. هذا الواقع يفتح الباب أمام استغلال الثغرات، سواء من قبل صناع محتوى أو أطراف أخرى تبحث عن قنوات بديلة لتمرير الأموال.

في المقابل، يؤكد مراقبون أن من الضروري عدم تعميم الاتهامات على جميع صناع المحتوى، مشددين على أن شريحة واسعة منهم تعمل ضمن أطر مشروعة وتعتمد على الإعلانات أو الدعم الجماهيري بشكل قانوني. إلا أن تنامي المؤشرات حول ممارسات مشبوهة يستدعي، بحسبهم، تعزيز الرقابة، وتنظيم عمل المؤثرين، وفرض متطلبات أوضح للإفصاح عن مصادر الدخل.

وتطالب أوساط اقتصادية وإعلامية بفتح تحقيقات فنية ومالية معمّقة، وتكثيف التنسيق بين الجهات المالية والأمنية وهيئات الاتصالات، إضافة إلى التعاون مع المنصات نفسها، لضمان الحد من أي استغلال غير قانوني. كما تُطرح دعوات لإطلاق حملات توعية للمستخدمين حول مخاطر المشاركة غير الواعية في أنشطة قد تُستخدم لأغراض مخالفة للقانون.