بغداد – تشهد الساحة السياسية العراقية جدلاً متصاعداً حول عملية اختيار رئيس الوزراء الجديد في عام 2026، بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025، في مواجهة بين التوازنات الدستورية والتحديات الحزبية الداخلية وخاصة ضمن أبرز التحالفات السياسية في البرلمان.
يأتي هذا الجدل في وقت فرضت فيه النتائج البرلمانية واقعاً جديداً بين الكتل السياسية، إذ أفضت إلى بروز تحالفات قوية، في مقدمتها الإطار التنسيقي، الذي يتنافس أعضاؤه على تحديد الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة المقبلة، في ظل مطالبات بترشيح رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني لولاية ثانية، مقابل دعم متزايد من بعض القوى لترشيح نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق.
وقال عامر الفائز، رئيس كتلة “تصميم” داخل الإطار التنسيقي، في تصريحات صحفية، إن “الأخبار حول ترشيح أسماء بعينها لرئاسة الوزراء غير دقيقة في الوقت الراهن، والعملية السياسية تسير وفق المنهج الدستوري الثابت، ولن يتم إعلان أي مرشح قبل إكمال انتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم التكليف الرسمي للكتلة الأكبر”.
وفي سياق متصل، أعلن عبد الرحمن الجزائري، عضو الإطار التنسيقي، عن وضع لجنة عليا داخل التحالف تعمل على تقييم المرشحين بناءً على معايير موضوعية تشمل الكفاءة والخبرة ورؤية واضحة لإدارة المرحلة المقبلة، إلا أن تلك المبادرة لم تضع نهاية للخلافات حول الشخصية الأنسب للمنصب.
ويأتي هذا الانقسام في وقت تؤكد فيه أحزاب كردية وسنية داخل البرلمان ضرورة احترام الآليات الدستورية في اختيار رئيس الوزراء، وعدم اختزال العملية في تفاهمات داخل تحالف معين فقط، معتبرة أن “المرحلة القادمة تحتاج إلى حكومة توافقية قادرة على ضبط التوازن بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية في البلاد”.
من جانبه، تحدث محمد شياع السوداني في مؤتمر صحفي، مشدداً على أن رغبته في ولاية ثانية “لا تعتبر طموحاً شخصياً بقدر ما هي استعداد لتحمل مسؤولية مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلاد في حال نيله ثقة البرلمان مرة أخرى”، مؤكداً التزامه بالدستور العراقي وعملية التوافق البرلماني.
وفي المقابل، يرى خصوم الترشح الثاني أن تكرار شخصية سياسية واحدة في منصب رئيس الوزراء قد يعيد إنتاج الإخفاقات السابقة في معالجة القضايا الاقتصادية والخدمية، داعين إلى إتاحة الفرصة لشخصيات جديدة تحمل رؤية إصلاحية أوسع.
ويذكر أن الدستور العراقي ينص على أن رئيس الجمهورية يُنتخب أولاً من قبل البرلمان، ثم تُكلف الكتلة البرلمانية الأكبر عدداً بتقديم مرشحها لرئاسة مجلس الوزراء، على أن يتم التصويت عليه داخل مجلس النواب. ومع تأخر توافق القوى السياسية على الهوية النهائية للمرشح، يتزايد القلق من أن تؤدي التأجيلات الطويلة في التكليف إلى مزيد من الإرباك السياسي والتأثير السلبي على عمل المؤسسات الحكومية.
ويشير محللون سياسيون إلى أن العراق يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تتطلب قدرة على التوافق بين القوى السياسية الرئيسية، وعدم الانغلاق داخل تحالفات ضيقة.
وتبقى الأنظار متجهة نحو الجلسات البرلمانية المقبلة، التي من المتوقع أن تشهد مزيداً من المشاورات بين الكتل السياسية، في محاولة لحسم هوية رئيس الوزراء الجديد وفقاً لما يضمن استقرار العملية السياسية، واحترام إرادة الناخبين، وتحقيق توازن بين مختلف القوى والمكونات العراقية.

