إنماز نيوز – في خضمّ الانسداد السياسي والتحديات المتراكمة التي تواجه العراق، يبرز ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة بوصفه حدثًا مفصليًا لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة المرحلة وتعقيداتها. ورغم الجدل الذي يحيط بشخصه وتجربته السابقة، فإن قراءة موضوعية وباردة للمشهد تكشف عن جملة من الإيجابيات السياسية والمؤسسية التي قد يجعل منها هذا الترشيح عامل استقرار نسبي، أو على الأقل أداة لإعادة ضبط إيقاع الدولة.
أول هذه الإيجابيات يتمثل في الخبرة التنفيذية المتراكمة. فالمالكي ليس وجهًا طارئًا على السلطة، بل سياسي خاض تجربة الحكم في واحدة من أعقد المراحل التي مرّ بها العراق بعد 2003. إدارة دولة خارجة من احتلال، تعاني من الإرهاب، والانقسام الطائفي، والانهيار المؤسسي، تمنح صاحبها فهمًا عميقًا لكيفية عمل الدولة العراقية من الداخل، بما في ذلك دهاليز البيروقراطية، وتشابك الصلاحيات، وحدود الممكن في نظام سياسي قائم على التوافق أكثر من الأغلبية. هذه الخبرة قد تقلّل من كلفة “التجربة والخطأ” التي غالبًا ما ترافق الحكومات الجديدة.
الإيجابية الثانية تكمن في القدرة على التعامل مع مراكز القوى المتعددة. النظام السياسي العراقي لا يُدار من رئاسة الوزراء وحدها، بل من شبكة معقّدة من القوى الحزبية، والبرلمانية، والأمنية، والاقتصادية. المالكي، بحكم سنواته الطويلة في العمل السياسي، يمتلك معرفة دقيقة بتوازنات هذه القوى، وكيفية التفاوض معها أو احتوائها. في مرحلة تحتاج إلى تمرير قوانين إصلاحية، وإقرار موازنات، وحسم ملفات عالقة، قد يكون وجود شخصية قادرة على “إدارة التناقض” ميزة لا يمكن تجاهلها.
أما الإيجابية الثالثة فتتعلق بـ خطاب الدولة وهيبة المؤسسات. المالكي يُعد من أكثر السياسيين تمسّكًا بفكرة مركزية الدولة وقوة السلطة التنفيذية. هذا الخطاب، وإن كان مثيرًا للجدل، إلا أنه يلقى قبولًا لدى شريحة من الرأي العام التي ترى أن ضعف الحكومات السابقة، وتشتت القرار، وتعدد مراكز النفوذ، كانت من الأسباب الرئيسية لتفشي الفساد وتعطّل الخدمات. ترشيحه قد يمنح الحكومة المقبلة غطاءً سياسيًا لاتخاذ قرارات أكثر حزمًا في إدارة المؤسسات، وضبط الأداء الإداري.
الإيجابية الرابعة تتمثل في وضوح المشروع السياسي. في مشهد سياسي تعجّ فيه الشعارات العامة والبرامج الفضفاضة، يتميّز المالكي بامتلاكه مشروعًا سياسيًا معروف المعالم، سواء على مستوى شكل الدولة أو طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، أو في ملفي الأمن والاقتصاد. هذا الوضوح لا يعني بالضرورة القبول، لكنه يسهّل عملية التقييم والمحاسبة، ويمنح البرلمان والرأي العام معيارًا واضحًا للحكم على الأداء الحكومي، بدل الغرق في العموميات.
خامسًا، يمتلك المالكي حضورًا إقليميًا ودوليًا لا يمكن إنكاره. خلال سنوات حكمه، نسج علاقات مع أطراف إقليمية ودولية فاعلة، ما قد يساهم في إعادة تنشيط الدبلوماسية العراقية، وجذب الاستثمارات، وفتح قنوات تفاوض تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية للبلد. في وقت يمر فيه العراق بأزمة ثقة مع بعض الشركاء، قد يكون وجود شخصية معروفة لدى العواصم المؤثرة عامل طمأنة نسبي.
الإيجابية السادسة تتعلق بـ إدارة الأزمات. التجربة السياسية للمالكي تشكّلت في ظل أزمات كبرى: تصاعد الإرهاب، الاحتقان الطائفي، الصراع على الصلاحيات، وضغوط الخارج. هذا التاريخ، بغضّ النظر عن نتائجه، يعني أن الرجل معتاد على العمل تحت الضغط، واتخاذ قرارات في ظروف استثنائية. العراق اليوم يعيش أزمات من نوع مختلف، لكنها لا تقل تعقيدًا، ما يجعل عامل الخبرة في إدارة الأزمات ذا قيمة سياسية عالية.
وأخيرًا، فإن ترشيح المالكي قد يسهم في إعادة فرز سياسي واضح داخل الساحة العراقية. وجود شخصية قوية ومثيرة للجدل يدفع القوى السياسية إلى تحديد مواقفها بوضوح، ويُنهي حالة الضبابية التي غالبًا ما تسبق تشكيل الحكومات. هذا الفرز، وإن كان حادًا، قد ينتج معادلات أكثر استقرارًا على المدى المتوسط، بدل حكومات رمادية بلا اتجاه واضح.
خلاصة القول، إن الإيجابيات المحتملة لترشيح نوري المالكي لا تعني تجاهل الانتقادات أو القفز على الماضي، لكنها تفرض قراءة واقعية لاحتياجات اللحظة السياسية العراقية. ففي بلد يعاني من هشاشة القرار وتداخل الصلاحيات، قد يكون “الرجل الثقيل” – بما له وما عليه – خيارًا يعكس رغبة جزء من الطبقة السياسية في استعادة زمام الدولة، حتى وإن كان ذلك عبر شخصية خلافية.

