“الاستقرار الحقيقي لا يأتي من سعر برميل النفط، بل من قوة السوق وقدرة المواطن على الإنتاج والإبداع في بيئة حرة وعادلة”
علي كريم إذهيب – كاتب اقتصادي عراقي
يعد الاقتصاد العراقي نموذجاً كلاسيكياً لما يسميه الاقتصاديون “الدولة الريعية”، حيث تشكل الإيرادات النفطية أكثر من 90% من موازنة الدولة وأغلب ناتجها المحلي الإجمالي. ورغم الثروات الهائلة، إلا أن هذا الاعتماد المطلق جعل الاقتصاد عرضة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية، وخلق هيكلاً اقتصادياً مشوهاً يعاني فيه القطاع الخاص من التهميش.
في هذا السياق، تبرز أهمية التحول نحو «اقتصاد السوق المفتوح» كضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار اقتصادي.
جوهر اقتصاد السوق المفتوح
اقتصاد السوق المفتوح هو نظام يستند إلى قوى العرض والطلب، ويشجع على الملكية الخاصة والمنافسة العادلة، مع تقليل التدخل الحكومي المباشر في الأنشطة التجارية. بالنسبة للعراق، لا يعني هذا تخلي الدولة عن دورها، بل التحول من “المالك والمشغل” إلى “المنظم والمراقب”، مما يفسح المجال للمبادرات الفردية والاستثمارات الأجنبية.
كسر حلقة “الريع” والتبعية للنفط
المشكلة الكبرى في الاقتصاد الريعي هي أن الدولة تصبح هي الموزع الوحيد للثروة، مما يقتل روح الابتكار ويجعل المجتمع يعتمد على التعيينات الحكومية.
تنويع مصادر الدخل: اقتصاد السوق يفتح الباب أمام قطاعات مثل الزراعة، الصناعة التحويلية، والتكنولوجيا.
المرونة الاقتصادية: بدلاً من الانهيار عند انخفاض سعر برميل النفط، يمتلك الاقتصاد “رئات” أخرى للتنفس عبر الضرائب والإنتاج المحلي
جلب الاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا
العراق يمتلك موارد مالية، لكنه يفتقر إلى “المعرفة التقنية” والإدارة الحديثة. في بيئة السوق المفتوحة، تنجذب الشركات العالمية ليس فقط لاستخراج النفط، بل لبناء بنية تحتية رقمية وصناعية.
نقل التكنولوجيا: الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) يجلب معه أحدث أساليب الإنتاج والإدارة.
خلق فرص عمل حقيقية: لا يمكن للجهاز الحكومي المتضخم استيعاب مئات الآلاف من الخريجين سنوياً؛ القطاع الخاص في ظل سوق مفتوح هو القادر على خلق وظائف مستدامة ومبتكرة.
مكافحة الفساد ورفع الكفاءة
في النظم المركزية (الريعية)، تتركز الأموال بيد عدد قليل من المؤسسات، مما يخلق بيئة خصبة للمحسوبية. أما في اقتصاد السوق:
1. الشفافية والمنافسة: تضطر الشركات للتنافس لتقديم أفضل خدمة بأقل سعر، مما يلغي الاحتكارات التي غالباً ما ترتبط بالفساد.
2. كفاءة التخصيص: توجيه الموارد المالية نحو المشاريع المربحة فعلياً وليس المشاريع التي تخدم أغراضاً سياسية ضيقة.
التحديات والعقبات في الطريق العراقي
الانتقال نحو السوق المفتوح في العراق ليس طريقاً مفروشاً بالورود، فهناك تحديات هيكلية واجتماعية:
البنية التحتية والتشريعات: يحتاج العراق إلى قوانين حماية المستثمر، وتطوير القطاع المصرفي الذي لا يزال بدائياً ويعتمد على “مزاد العملة”.
العقلية البيروقراطية: هناك مقاومة من المستفيدين من النظام الحالي (الاقتصاد الموجه) الذين يخشون فقدان السيطرة.
الحماية الاجتماعية: يجب أن يترافق الانفتاح مع شبكات أمان اجتماعي قوية لحماية الطبقات الهشة من تقلبات الأسعار المحتملة في بداية التحول.
خارطة الطريق المقترحة
لكي يحقق العراق قفزة حقيقية، يجب استغلال الوفرة المالية الحالية (الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط) ليس لزيادة الرواتب، بل كـ “رأس مال تأسيسي” للتحول:
1. صناديق سيادية: استثمار فوائض النفط في مشاريع داخلية غير نفطية.
2. دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة (SMEs): توفير قروض ميسرة للشباب العراقي لبدء مشاريعهم، مما يقلل الضغط على التوظيف الحكومي.
3. الرقمنة: تحويل المعاملات الحكومية إلى إلكترونية لتقليل البيروقراطية وجذب المستثمر الأجنبي.
إن امتلاك العراق للموارد المالية هو “نعمة” قد تتحول إلى “نقمة” إذا استمر الاعتماد الكلي على النفط. إن اقتصاد السوق المفتوح هو السبيل الوحيد لتحويل هذه الأموال العابرة إلى تنمية مستدامة، وبناء دولة قادرة على المنافسة في القرن الحادي والعشرين. العراق اليوم بحاجة إلى شجاعة سياسية لإطلاق سراح الطاقات الكامنة في قطاعه الخاص، والانتقال من دولة “توزع الرواتب” إلى دولة “تصنع القيمة”.

