علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي
في قلب الأزمة العراقية تكمن مفارقة صارخة المشهد مزدحم بأكثر من مائتي حزب مسجل لكنه في الحقيقة خاوٍ من أي حزب سياسي حقيقي وفق المعايير العلمية للتنظيم. ما يُسمى ( أحزاباً ) في العراق ليس سوى أغطية بيروقراطية لهويات طائفية وقومية جامدة وهي تكتلات تدير صراعاً محموماً لا علاقة له بالبرنامج أو الرؤية الوطنية بل بإعادة توزيع الريع النفطي عبر بوابة المناصب التنفيذية والتشريعية.
وحتى الصراع الدائر داخل البيت الشيعي أو السني أو الكردي لا يُقرأ كاختلاف أيديولوجي بل هو أبشع صور التنافس على حق (التمثيل الحصري) للطائفة أمام الخزينة العامة. غياب الاقتصاد الحقيقي هو الوقود الذي يشعل هذه المعركة الوجودية المصغرة . فلو كانت الدولة تمتلك قطاعات إنتاجية زراعية وصناعية وخدمية تولد الثروة من جهد الإنسان وليس من باطن الأرض لما كان الوصول إلى منصب وكيل وزارة أو مدير عام يعادل الفوز بالجائزة الكبرى في يانصيب الإثراء الفاحش.
عندما تكون جميع مفاصل الحياة مرتبطة بريَع النفط المتقلب يتحول كل منصب عام إلى (مركز كسب خاص) وتتحول العملية السياسية إلى سوق نخاسة لبيع الولاءات مقابل العقود والمقاولات والمنافع الاقتصادية المباشرة وهنا يصبح التساؤل مشروعاً هل نحن أمام غريزة سياسية جامحة للهيمنة . أم أن هذه الكيانات تعيش ضرورة اقتصادية يائسة للبقاء؟
هذه البنية المشوهة أنتجت مؤسسات رقابية مشلولة أو متواطئة لأن المؤسسة الرقابية ذاتها صارت مغنماً انتخابياً يُتقاتل عليه لا من أجل إحقاق الحق بل من أجل امتلاك أداة الابتزاز السياسي الأقوى. عندما يسيطر طرف ما عليها فهو لا يسيطر على مكافحة الفساد بل يسيطر على مفتاح إدارة الفساد وتمريره أو تجميده وفق مقتضيات الصفقات بين القوى المتنفذة. هكذا يُعاد ضخ الموارد المنهوبة في شرايين الأحزاب لتعظيم قدرتها الشرائية في الانتخابات القادمة في دائرة مغلقة لا يخرج منها أبداً مفهوم الدولة الراعية للمصلحة العامة.
لذلك فإن الدعوات المتكررة للحوار السياسي أو تعديل قانون الانتخابات تبقى مجرد مسكنات لا تعالج العلة الأصلية. طالما ظل الاقتصاد العراقي أحادي المصدر وريعياً بامتياز فإن أي خريطة سياسية سيتم رسمها على الرمال المتحركة سيكون مصيرها المحتوم التصدع والانهيار مع أول هزة في أسعار النفط أو أول اهتزاز في ميزان القوى الطائفي.
الاستنتاج الحاسم يشير إلى أن عملية تصحيح المسار السياسي مقلوبة رأساً على عقب في الذهنية العراقية. لا يمكن إجراء إصلاح سياسي جذري في بيئة اقتصادية هشة ومُستباحة.
إن الثورة الإصلاحية الأولى المطلوبة ليست في قبة البرلمان او في شكل العملية السياسية او من يدير الدولة بقدر ما هي ثورة في بنية الاقتصاد الكلي عبر مسارين:
– الأول هو كسر احتكار الدولة للثروة عبر تمكين القطاع الخاص الحقيقي المنتج
– الثاني هو تنويع الإيرادات بعيداً عن النفط لتقليص حجم الكعكة التي يتصارع عليها السياسيون.
عندما ينشأ اقتصاد حقيقي قائم على الإنتاج والصناعة والزراعة سينتقل بوصلة الصراع من وزارات الدولة إلى السوق وسيتغير معيار القوة من عدد المليشيات المسلحة إلى عدد المصانع وفرص العمل، حينها فقط ستنشأ مؤسسات حقيقية مبنية على الكفاءة والتخطيط العلمي لأن استمرار الدولة لن يعود مرهوناً بسعر برميل النفط بل بمدى فاعلية مؤسساتها في إدارة اقتصاد متنوع عندئذ ستذبل الأحزاب الطائفية تلقائياً لأن الحاضنة الشعبية ستكتشف أن الهوية الفرعية لا تخلق فرصة عمل ولا تبني مستشفى وأن الصراع على المنصب سيكون خسارة وقت مقارنة بالاستثمار في مشروع وطني جامع.
إن إعادة تعريف الدولة العراقية تبدأ من إعادة تعريف اقتصادها أولاً فبدون زرع بذور الإنتاج سيظل الحصاد السياسي مراً وحصرياً لميليشيات الفساد والطائفية.

