بغداد – شبكة إنماز نيوز
تشهد الساحة السياسية العراقية حراكاً متسارعاً مع اقتراب رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي من الإعلان عن تشكيلته الوزارية، وسط حديث متزايد عن تفاهمات سياسية واسعة بين القوى الرئيسية، في وقت يترقب فيه الشارع العراقي ولادة حكومة جديدة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية، وإنهاء حالة الانسداد والتجاذبات التي رافقت المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.
وبحسب تصريحات لقيادات سياسية من قوى مختلفة، فإن الكابينة الوزارية لحكومة الزيدي باتت شبه مكتملة، مع استمرار النقاشات حول بعض الحقائب السيادية والخدمية، ولا سيما تلك المتعلقة بحصص المكونات والقوى السياسية ذات الاستحقاق الانتخابي.
عضو ائتلاف دولة القانون مؤيد الأزرجاوي أكد أن الإطار التنسيقي كان “الكفيل السياسي” لرئيس الوزراء المكلف، مبيناً أن جلسة الثلاثاء المقبل قد تشهد تقديم أكثر من 80 بالمئة من الكابينة الوزارية إلى البرلمان. وأضاف أن العراقيين ينتظرون حكومة تقدم الخدمات وتدير الملفات الخارجية بحكمة، بالتزامن مع معالجة التحديات الداخلية المتراكمة.
وأشار الأزرجاوي إلى أن حكومة الزيدي ستتألف من 22 وزارة، جرى توزيعها وفق ما وصفه بـ”التقسيم العادل والمنصف” بين المكونات السياسية، موضحاً أن 12 وزارة ستكون من حصة القوى الشيعية، مقابل 6 وزارات للمكون السني و4 وزارات للكرد. كما اعتبر أن اعتماد نظام النقاط في حسم الوزارات يخلق إشكالات سياسية عديدة، داعياً إلى اعتماد التفاهمات السياسية المباشرة لتجاوز الخلافات.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن الحكومة المقبلة ستكون أمام تحديات كبيرة، خصوصاً في ظل وجود “تنافس وتناقض” محتمل بين الحكومة الجديدة ومجلس النواب، الأمر الذي قد ينعكس على تمرير القوانين والبرامج الحكومية خلال المرحلة المقبلة.
من جهته، وصف عضو ائتلاف الإعمار والتنمية محمد المطلبي أجواء التفاهمات السياسية الحالية بأنها “إيجابية وغير مسبوقة”، مؤكداً أن العراق لم يشهد سابقاً تشكيل حكومة بهذه السرعة مع تقديم برنامجها الحكومي بشكل متزامن، كما يحدث مع حكومة الزيدي.
وبيّن المطلبي أن رئيس الوزراء المكلف يمتلك فرصة كبيرة لتشكيل حكومة “متوازنة وجامعة” لجميع القوى السياسية، مشيراً إلى أن الزيدي يحظى بدعم داخلي وخارجي واسع، ما يمنحه مساحة أكبر لاختيار شخصيات كفوءة لإدارة الوزارات المختلفة.
ونفى المطلبي صحة التسريبات المتداولة بشأن أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب الوزارية، مؤكداً أن المفاوضات ما زالت مستمرة، وأن الكثير من الأسماء المتداولة لا تمت للحقيقة بصلة. كما كشف أن وزارات النفط والكهرباء ووزارة أخرى ستكون من حصة ائتلاف الإعمار والتنمية ضمن التفاهمات الجارية.
وأكد أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالتعامل مع ملفات “معقدة وحساسة”، أبرزها الملف الاقتصادي، وأزمة التعيينات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن احتواء التوترات الإقليمية التي تنعكس بشكل مباشر على الداخل العراقي.
أما على الصعيد الكردي، فقد اعتبر عضو الاتحاد الوطني الكردستاني مهند عقراوي أن تقديم الكابينة الوزارية خلال هذه الفترة القصيرة يمثل “إنجازاً سياسياً” يحسب لرئيس الوزراء المكلف، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الزيدي يواجه تحدياً سياسياً يتمثل بعدم امتلاكه كتلة سياسية مستقلة تدعمه داخل البرلمان، باعتباره جاء من رحم الإطار التنسيقي.
وأوضح عقراوي أن عدداً من الوزارات قد يدار بالوكالة خلال المرحلة الأولى بسبب استمرار الخلافات بين الأحزاب الكردية بشأن توزيع الحصص، مبيناً أن الوزارات الأربع المخصصة للمكون الكردي لم تُحسم بشكل نهائي حتى الآن.
وأشار إلى أن الوزارات المطروحة للكرد تشمل الخارجية والإعمار والعدل والزراعة والبيئة والهجرة، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، لافتاً إلى وجود تفاهمات بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة الجيل الجديد حول توزيع المناصب ضمن الحكومة المقبلة.
كما حذر عقراوي من أن الحكومة الجديدة ستكون أمام اختبار صعب في إدارة التوازن بالعلاقات الخارجية، خصوصاً بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع استمرار التوترات الإقليمية وتأثيرها المباشر على العراق.
وتعكس التصريحات المتبادلة بين القوى السياسية وجود رغبة واضحة بالإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة، في محاولة لطمأنة الشارع العراقي واحتواء الضغوط الاقتصادية والخدمية المتزايدة. إلا أن مراقبين يرون أن نجاح حكومة الزيدي لن يتوقف عند تمرير الكابينة الوزارية فقط، بل يرتبط بقدرتها على تنفيذ برنامج حكومي فعلي، وتحقيق توازن سياسي يمنع عودة الخلافات التقليدية التي عطلت عمل الحكومات السابقة.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى الأنظار متجهة إلى جلسة البرلمان المرتقبة، التي قد تشكل نقطة تحول في مسار العملية السياسية، وتحدد ملامح المرحلة المقبلة، وسط آمال بأن تنجح الحكومة الجديدة في تجاوز أزمات العراق المزمنة، وتحويل التفاهمات السياسية الحالية إلى خطوات عملية تنعكس في حياة المواطنين.

