شيعة الخليج.. إبادة صامتة

علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي

في اللحظة التي تتعالى فيها أصوات التطبيع مدوية فوق طاولات الاتفاقيات المعلنة. ثمة تطبيع آخر يجري بصمت تحت الطاولة . تطبيع مع فكرة الاقتلاع الديموغرافي وإعادة رسم خرائط الانتماء والهوية في منطقة الخليج. ما يحدث اليوم ليس مجرد إجراءات أمنية متفرقة ولا حالات فردية لسحب جنسية هنا أو إبعاد عائلة هناك . بل هو عملية استراتيجية منهجية تستهدف الوجود الشيعي في العمق الخليجي .عملية يجري تنفيذها وفق هندسة دقيقة تدرك أن تفكيك أي نسيج اجتماعي يبدأ من إسقاط غطائه القانوني أولا . ثم عزله اجتماعيا . ثم تجريم وجوده ذاته عبر ربطه بقوائم الإرهاب الدولية التي لا يد لأحد في الطعن بقراراتها أو مراجعة بنودها. نحن إزاء حرب وجود بالمعنى الصارم للكلمة . حرب لا ترفع راية بل ترفع ذريعة . وحين تغيب الراية ويحضر التوصيف القانوني المعد سلفا يصبح الضحية بلا صوت وبلا ملاذ.

المنهج الذي نشهده اليوم ليس وليد اللحظة ولا ابن الانفعال السياسي الطارئ . بل هو امتداد لمدرسة قديمة أعاد صياغتها صدام حسين حين أسقط الجنسية عن عشرات آلاف العوائل الشيعية بحجة التبعية الإيرانية ورماها في العراء على الحدود دون وطن ودون هوية. الفارق أن تلك المرحلة كانت تمارس تحت يافطة قومية فجة. أما اليوم فتجري تحت مظلة قانونية معولمة. حيث يستبدل مصطلح التبعية لإيران بتهمة الانتماء لحزب الله أو الحرس الثوري . وهنا تكمن النقلة النوعية في آلة القمع الحديثة. ما أن يوضع التنظيم في خانة الإرهاب الدولي حتى يتحول كل متهم بالارتباط به. ولو بأوهى صلة .إلى كيان معزول قانونيا لا تستطيع المنظمات الدولية أن تفتح فما دفاعا عنه، فيسقط تلقائيا عن الضحية كل غطاء حقوقي .وتغلق أبواب المحاكم والمحاماة الدولية في وجه أي محاولة لإنصافه .ويصبح مجرد اسم في ملف استخباراتي مغلق لا ينظر فيه أحد.

هذه الذرائع الجاهزة لا تحتاج إلى إثبات . يكفي فيها الشك ويكفي فيها الاسم .ويكفي فيها أن يكون المطلوب شيعيا خليجيا له امتداد عائلي أو مذهبي أو حتى عاطفي مع أي جهة تصنفها لوائح الإرهاب. الاعتقالات لا تحتاج إلى محاكمات علنية، وسحب الجنسيات لا يحتاج إلى قرارات قضائية قابلة للاستئناف . والإبعاد لا يرافقه أي مسوغ مكتوب يمكن الاحتجاج به .وكأن العملية برمتها صممت لتتم خارج إطار المساءلة القانونية .في منطقة رمادية لا يصلها صوت الحقوقيين ولا تخترقها عدسات المنظمات الأممية. والنتيجة أن جاليات بأكملها تعيش اليوم رعبا مضمرا من أن يكون الدور على أي فرد منها في أية لحظة دون إنذار ودون مبرر ودون أن يعرف أحد إن كانت التهمة ستكون حزب الله أم الحرس الثوري أم أي تنظيم آخر سيضاف غدا إلى قائمة المحظورات الدولية.

التحليل الاستراتيجي يكشف أن هذه الحملة تصاعدت وتيرتها بشكل لافت بعد موجات التطبيع الخليجية مع إسرائيل . وهو توقيت لا يمكن عزله عن السياق الأوسع. إسرائيل تبحث عن بيئة آمنة لمشروعها الإقليمي، بيئة خالية من أي قوة اجتماعية صلبة يمكن أن تشكل حالة رفض منظمة لوجوده أو لتمدده .والشيعة في المنطقة هم اليوم العقبة الأكثر صلابة أمام هذا المشروع . ليس بالضرورة لأنهم يمتلكون جيوشا أو قدرات عسكرية . بل لأنهم يمثلون حالة وعي سياسي وجداني يرفض التطبيع ويتمسك بخطاب المقاومة . وهذا تحديدا ما يجعلهم هدفا استراتيجيا. لا يمكن لإسرائيل أن تبني امتدادها الاقتصادي والأمني في الخليج وهناك جماعات سكانية راسخة تنظر إليها كعدو وجودي مطلق .لذا تأتي التعليمات وتتحرك الأذرع المحلية التي سارعت في إثبات ولائها للمشروع الجديد عبر ضرب هذه الجماعات وإخراجها من معادلة المواطنة.

المنهجية هنا ثلاثية الأبعاد: البعد الأول قانوني تمثله عمليات سحب الجنسية التي تحول المواطن إلى عديم هوية قابل للترحيل في أي لحظة. البعد الثاني أمني يتمثل في حملات الاعتقال الممنهجة المبنية على تهم جاهزة وقوائم معدة سلفا في دوائر استخباراتية تتغذى على معلومات مزروعة ومختلقة. البعد الثالث اجتماعي يعمل على تحويل الطائفة المستهدفة إلى جسم غريب داخل النسيج الوطني . جسم لا يمكن الوثوق به . جسم يحمل ولاء مزدوجا . جسم يستحق ما يحدث له لأنه اختار أن يكون في الجانب الخطأ من التاريخ. هذا البعد الثالث هو أخطرها لأنه يضمن الصمت الشعبي ويحول الضحية إلى متهم دائم لا يحتاج إلى تبرئة لأنه مدان منذ البداية في وعي المحيطين به.

أما من لم يطله النفي أو سحب الجنسية أو الاعتقال حتى الآن، فهو ليس بخير .إنه يعيش في حالة حصار مركب . حصار اقتصادي عبر استبعاده من الوظائف الحساسة ومن الفرص المتكافئة .وحصار سياسي عبر إقصائه من أي موقع يمكن أن يكون له فيه صوت أو قرار . وحصار نفسي عبر بث الرعب اليومي من أن يكون التالي في القائمة. إنها إبادة صامتة، لا تحتاج إلى معسكرات ولا إلى إعدامات جماعية بل تحتاج فقط إلى قوانين استثنائية وذرائع دولية جاهزة وإعلام متواطئ يمرر الحدث وكأنه شأن أمني داخلي لا يستحق التحليل. وما يجعل هذه الإبادة ممكنة ومستدامة أنها لا تترك أثرا قانونيا يمكن أن يدين مرتكبيها .فكل شيء يتم تحت مسميات السيادة ومكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي .وهي مسميات مقدسة في القانون الدولي لا يجرؤ أحد على اختراقها لصالح الضحايا.

ثمة طبقة تحليلية أعمق تشير إلى أن ما يحدث ليس فقط تصفية لحالة معارضة مستقبلية محتملة . بل هو تغيير ديموغرافي مبرمج يعاد فيه رسم خريطة السكان في مناطق حساسة من الخليج . خصوصا تلك الغنية بالموارد أو المتاخمة لحدود إيران أو المطلة على الممرات المائية الاستراتيجية. إسرائيل لا تريد جيوبا سكانية يمكن أن تتحول في أية لحظة إلى قواعد شعبية داعمة لأي مواجهة قادمة مع إيران أو حزب الله . لذا فإن تفريغ هذه المناطق من الوجود الشيعي أو إخضاعه بالترويع والقمع هو استثمار استراتيجي طويل الأمد في أمن إسرائيل الإقليمي. الحكومات التي تنفذ هذا المخطط قد لا تكون على وعي كامل بأنها مجرد أدوات في مشروع يتجاوزها . أو ربما هي على وعي كامل ولكن حسابات بقائها السياسي واقتصادها المشروط بالدعم الغربي يدفعانها للاستمرار في الدور الوظيفي المرسوم لها دون اعتراض.

الخلاصة التي تفرض نفسها بقوة أن الشيعة في الخليج يخوضون اليوم معركة بقاء بالمعنى الأنطولوجي للكلمة . ليس بقاءهم كطائفة فحسب . بل بقاءهم كمواطنين أصحاب حقوق وكبشر لهم وطن وهوية وانتماء. الحرب عليهم لم تعد حربا على أفكارهم أو مواقفهم . بل صارت حربا على وجودهم ذاته .حربا تستخدم أفتك الأسلحة الحديثة .سلاح القانون الدولي الملتوي، وسلاح الذريعة الأمنية المقدسة .وسلاح التطبيع الذي يحول الضحايا إلى أضرار جانبية مبررة في طريق بناء الشرق الأوسط الجديد. وفي هذه الحرب لا يحتاج المنتصر إلى إعلان النصر .يكفيه أن يستيقظ ذات صباح ليجد أن الخرائط السكانية قد تغيرت بصمت .وأن الذين كانوا هنا بالأمس صاروا لا هنا ولا هناك، أرواحا معلقة في مطارات الترحيل وعلى حدود لا تريدهم ولا تستقبلهم .مجردين من كل شيء إلا من تهمة وجودهم.