علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي
في قلب المشهد الاقتصادي العراقي. ثمّة معادلة مختلّة تعكس انفصاماً نادراً بين السياسة النقدية وواقع السوق يدفع ثمنها المواطن يومياً من قوت عيشه. فبينما يبيع البنك المركزي الدولار للتجار بسعر صرف رسمي يبلغ 1320 ديناراً. يجد المستهلك النهائي أن الأسعار في الأسواق المحلية تُحتسب على أساس سعر الصرف الموازي الذي يتجاوز 1500 دينار. هذه ليست مجرد فجوة رقمية عابرة، بل صدع بنيوي في آلية انتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي.
لفهم هذه “الفجوة الكبرى” يجب تفكيك عناصرها. يضخ البنك المركزي مبيعات هائلة من الدولار عبر منصته الرسمية لتلبية احتياجات الاستيراد . بمتوسط شهري يُقدّر بعدة مليارات. غير أن هذا الضخ الكثيف لا يُفضي إلى تقليص الفجوة مع السوق الموازي، بل على العكس تماماً تتسع الفجوة إلى مستويات قياسية بالتزامن مع زيادة العرض الرسمي. هذا التناقض الصارخ يفضح بجلاء أن جوهر المشكلة ليس في حجم المعروض من الدولار بل في الوجهة النهائية له. فجزء كبير من هذه التدفقات النقدية يتسرّب خارج القنوات المخصصة له، مغذّياً السوق الموازية بدلاً من تمويل التجارة الحقيقية.
وهنا تكمن صدمة التحليل : المواطن يتحمل العبء مرتين.
الأولى: كونه الممول الضمني للاحتياطيات العامة التي يُباع منها الدولار بسعر مدعوم.
الثانية: كمستهلك نهائي يشتري السلع مسعّرة وفقاً لسعر السوق السوداء.
أما الآلية التي تسمح بهذا الانفلات فذات شقين:
الأول: تقني يتمثل في عزوف التجار عن التعامل الكامل مع المنصة الرسمية بسبب متطلبات التدقيق المصرفي والرسوم الجمركية المسبقة . مما يدفعهم للبحث عن العملة الصعبة في السوق الموازي نقداً.
والثاني هيكلي: ويتمثل في غياب الرقابة الفعّالة على سلاسل التوريد والتسعير . مما يسمح بازدواجية صارخة: الاستفادة من دولار الدولة الرخيص والبيع للمواطن وفقاً لدولار السوق الحر.
لإدراك عبثية المشهد الحالي، يجب النظر إليه من منظور الدخل. آخر تعديل جوهري لسلم الرواتب يعود إلى عام 2012 عندما كان سعر الصرف الرسمي 1119 ديناراً للدولار وكانت القوة الشرائية للراتب حينها تعكس مستوى أسعار مرتبطاً بذلك السعر”.
اليوم، مع سعر صرف رسمي يبلغ 1320 ديناراً وسعر موازٍ يتجاوز 1500 دينار تكون القوة الشرائية الحقيقية للمواطن قد تآكلت بشكل دراماتيكي. إن الراتب الذي صُمم لمواجهة مستوى أسعار ما قبل عقد ونصف يُطلب منه اليوم استيعاب أسعاراً لا تعكس فقط تضخماً مستورداً، بل أيضاً ريعاً غير شرعي يتضخم بفعل “الفجوة” نفسها. هذا التفاوت الصارخ بين جمود الدخل وديناميكية الأسعار المرتفعة يُفسر جزءاً كبيراً من الأزمة المعيشية الخانقة.
وهنا تحديداً تتجسد الضريبة المخفية التي تثقل كاهل المواطن دون أن يشعر. فعندما يشتري بضاعة مسعّرة وفق سعر صرف السوق الموازي”.
بينما يتقاضى راتباً لم يواكب حتى سعر الصرف الرسمي الجديد فهو يدفع فارقاً مزدوجاً: الأول بين سعر 2012 وسعر اليوم والثاني بين السعر الرسمي والسعر الموازي. هذا الفارق ليس مجرد تقلّب سوقي، بل هو اقتطاع صامت من دخله الحقيقي ضريبة غير مباشرة لا تُقرّ في أي موازنة ولا تخضع لأي نقاش نيابي لكنها تُستقطع يومياً من لقمة عيشه. إنها ضريبة مسكوكة في كل سلعة يشتريها تُدفع طوعاً وقسراً إلى جيوب المستفيدين من هذه الفجوة في مشهد اقتصادي يُلبس فيه الربح الفاحش ثوب السوق الحرة بينما يُترك المواطن وحيداً في مواجهة معادلة خاسرة لا يملك تغيير أي من متغيراتها.
في العمق لا تعكس هذه الفجوة مجرد خلل فني في السياسة النقدية . بل هي عرض لمرض أعمق : تشابك المصالح بين المنظومة السياسية والطبقة التجارية. فعندما يتحول رجل السياسة إلى رجل أعمال، أو العكس يصبح أي إصلاح يمس هوامش الربح الفاحشة بمثابة انتحار سياسي. لقد نشأت بنية طفيلية تستفيد من هذا التشوه. فهي التي تتحكم في الاستيراد . وهي القادرة على التأثير في القرارات أو تعطيلها. إن الإصرار على سعر صرف رسمي ثابت وسط فجوة تتجاوز 20% ليس مجرد دفاع عن قيمة الدينار، بل هو في جوهره دعم هائل ومستدام لشريحة محددة على حساب الملايين. وقد بات واضحاً أن زيادة المعروض من الدولار وحدها تعجز عن استقرار السوق الموازي ما لم تقترن بإجراءات صارمة للسيطرة على جانب الطلب، عبر تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية وتنظيم الواردات عالية الاستنزاف للعملة الأجنبية.
طالما استمرت هذه “الفجوة الكبرى” بلا رادع سيبقى الحديث عن الإصلاح الاقتصادي في العراق ضرباً من الترف النظري. إن المطلوب ليس مجرد ترقيع الفجوة . بل كسر هذه الحلقة المفرغة عبر إصلاحات هيكلية تتجاوز المنصة الإلكترونية للبنك المركزي لتطال مفاصل التجارة والرقابة . وفض الاشتباك المريض بين المال والسلطة السياسية. إلى أن يحدث ذلك . سيبقى المواطن العراقي هو الممول الصامت لأرباح لا يراها، في مشهد اقتصادي يختزل مأساة بلد يمتلك ثروة هائلة . لكنه يعجز عن حماية لقمة عيش أبنائه.

