حليم سلمان – كاتب سياسي عراقي
لا يمكن التسليم بأي منطق سياسي يضع تشكيلات بعينها أو قوى خارج الأطر الدستورية في موقع يعلو على مؤسسات الدولة المنتخبة، أو يجعل منها مرجعية تفوق السلطتين التنفيذية والتشريعية في صنع القرار.
الديمقراطية في جوهرها ليست مجرد إجراء انتخابي، بل هي منظومة متكاملة من التوازنات والضوابط التي تضمن أن تظل السلطة نابعة من الإرادة الشعبية وخاضعة لها. وأي تجاوز لهذا المبدأ لا يمثل إصلاحًا ولا تصحيحًا، بل هو ضرب في صميم الشرعية الديمقراطية وإدخال للبلاد في دوامة من الاضطراب المؤسساتي الذي قد يطول أمده ويصعب الخروج منه.
المشهد السياسي الحالي، بعيدًا عن القراءات الدراماتيكية والتوقعات الانقلابية، يُظهر في مجمله تحركًا نحو إدارة الخلافات لا تصعيدها. ذلك ان الحكومة ورئيسها علي الزيدي تواصل اضطلاعها بمهامها اليومية دون انقطاع، والاتصالات بين مختلف القوى السياسية لم تنقطع، بل تسير في اتجاه استيعاب الاستحقاقات الدستورية وإغلاق الملفات العالقة بأقل قدر ممكن من الاحتقان. وهذا يعكس وعيًا مشتركًا بأن أي صدام حاد بين الأطراف لن يُفرز رابحًا حقيقيًا، بل سيُلقي بظلاله على الوضع الاقتصادي والخدماتي، ويُرسّخ لدى المواطن شعورًا بأن العملية السياسية برمتها عاجزة عن تلبية احتياجاته الأساسية.
وفي هذا السياق، يتوقع أن يشهد الأسبوع المقبل إتمام التصويت على ما تبقى من تشكيلة الكابينة الحكومية، في خطوة تُؤشر على رغبة فعلية في إغلاق هذا الملف بصورة طبيعية ودستورية بعيدًا عن المناكفات والعرقلة.
أما الحديث المتداول في بعض الأوساط عن انتخابات مبكرة أو سقوط الحكومة تحت ضغط الشارع، يبقى في دائرة التمني السياسي لا التحليل الواقعي، إذ لا تتوفر له حتى الآن أي مؤشرات ميدانية أو سياسية جدية تدعمه. فالقوى الفاعلة تُدرك جيدًا أن التصعيد المفتوح خيار مُكلف بامتياز، وأن الأجدى هو الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة والمضي قُدُمًا في استكمال المسار الدستوري، حفاظًا على تماسك الدولة وصون مصلحة المواطن الذي يبقى الغاية الأولى من أي عملية سياسية سليمة.

