علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي
في بلد يمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم وأحد أكثر اقتصادات العالم اعتمادا على سلعة واحدة يبدو الحديث عن القطاع الصناعي أقرب إلى الترف الفكري منه إلى السياسة الواقعية لكن المفارقة الكبرى أن الحل الدائم لأزمات العراق الاقتصادية المتكررة يكمن بالضبط في القطاع الذي ظل مهمشا لعقود. فالنفط الذي يشكل أكثر من تسعين بالمئة من الإيرادات الحكومية وأكثر من ستين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لا يوظف سوى واحد بالمئة من القوى العاملة وهذه الفجوة البنيوية تفسر لماذا يظل الاقتصاد العراقي أسير دورة الريع التي تتسع فيها البطالة كلما ارتفع الناتج النفطي. القطاع الصناعي وحده يمتلك القدرة على كسر هذه الحلقة المفرغة ليس بصفته قطاعا اقتصاديا منافسا للنفط بل باعتباره بوابة التحول من دولة ريعية توزع المداخيل على الاستهلاك إلى دولة إنتاجية تستثمر المداخيل في خلق القيمة.
المشكلة الأساسية ليست نقص الموارد كما قد يتصور البعض بل نمط تخصيصها فالموازنة العامة للدولة يهيمن عليها الإنفاق الاستهلاكي بنوعيه المباشر عبر الرواتب والأجور وغير المباشر عبر الدعم الاجتماعي الواسع بينما لا يحظى الإنفاق الاستثماري الإنتاجي إلا بنسب ضئيلة لا تتجاوز أحادية العشرين بالمئة في أفضل السنوات. هذا الخلل الهيكلي في بنية الإنفاق العام يمكن معالجته دون اللجوء إلى قرارات صادمة تمس معيشة شرائح المجتمع أو تفرض أعباء إضافية على المواطنين لأن الفكرة ليست في رفع الدعم عن المستحقين بل في إعادة توجيه مسار الدعم تدريجيا من التحفيز الاستهلاكي إلى التحفيز الإنتاجي. الحكومة العراقية يمكنها أن تزيد دعمها للقطاع الصناعي دون المساس بشبكة الأمان الاجتماعي عبر حزمة من السياسات المتدرجة التي تبدأ بمنح قروض ميسرة للمصانع الصغيرة والمتوسطة وتوفير الأراضي الصناعية بأسعار رمزية وتخفيض كلف الكهرباء والوقود للمشاريع الإنتاجية وتقديم إعفاءات ضريبية مرتبطة بحجم التشغيل والإنتاج. هذا التحول المدروس في فلسفة الدعم يحقق هدفين متكاملين فهو يحافظ على الاستقرار الاجتماعي من جهة ويخلق محفزات حقيقية لنمو الصناعة من جهة أخرى.
لكن تحفيز الصناعة الوطنية لا يمكن أن يكتمل من دون حمايتها من المنافسة غير المتكافئة مع البضائع المستوردة المدعومة أو منخفضة الكلفة وهنا تبرز معضلة التوازن بين حماية المنتج المحلي وحماية المستهلك من ارتفاع الأسعار. الحل لا يكمن في إغلاق الأسواق بالكامل كما فعلت تجارب تنموية سابقة بل في تبني سياسة حمائية ذكية ومتدرجة تقوم على فرض رسوم جمركية تصاعدية على السلع التي لها بديل محلي مع مكافحة جادة للتهريب والمنافذ غير الرسمية التي تقوض أي سياسة حمائية وتطبيق المواصفات القياسية على المستوردات لمنع دخول السلع الرديئة التي تضر بالمستهلك والمنتج معا. هذه المنهجية تمنح المصانع المحلية فرصة حقيقية للنمو والتطور دون أن تتسبب بارتفاعات حادة في الأسعار تثقل كاهل المواطن لأن الحماية هنا ليست هدفا بذاته بل أداة مؤقتة لبناء قدرات تنافسية.
غير أن كل هذه السياسات الاقتصادية المدروسة تصطدم بعقبة جوهرية تظل الحلقة المفقودة بين الرؤى المقترحة وإمكانية تنفيذها فعليا على الأرض وهي معضلة الحوكمة والفساد والبيروقراطية المتجذرة في بنية الدولة العراقية. فالفجوة بين السياسة العامة كما تصمم على الورق وبين مخرجاتها كما تصل إلى المواطن والمستثمر لا يمكن تفسيرها بالعوامل الفنية وحدها بل تعود في جوهرها إلى منظومة حوكمة مختلة تسمح بتسرب الموارد وتبديد الفرص. القروض الميسرة التي يفترض أن تصل إلى أصحاب المصانع الصغيرة قد تتعثر في متاهات البنوك الحكومية أو تتحول إلى ريع للمتنفذين الذين يحصلون عليها بضمانات وهمية ثم يعيدون إقراضها بفوائد سوقية. الأراضي الصناعية المخصصة بأسعار رمزية كثيرا ما تنتهي إلى مضاربات عقارية أو تمنح لجهات لا تمت للإنتاج بصلة بينما يبقى المستثمر الجاد الحقيقي غارقا في دوامة المراجعات. الإعفاءات الضريبية المرتبطة بحجم التشغيل تحتاج إلى أجهزة رقابية قادرة على التحقق من الأرقام المعلنة لكن هذه الأجهزة نفسها تعاني من تضخم وظيفي يقابله ضعف حاد في الكفاءة ومن بيروقراطية دفاعية تحول الإجراء الواحد إلى توقيعات لا نهائية كل توقيع منها يمثل محطة محتملة لاستنزاف الوقت أو المال أو كليهما.
الفساد في هذا السياق ليس مجرد انحراف أخلاقي فردي بل أصبح بنية نظامية تعيد إنتاج نفسها عبر آليات الحوكمة المعطوبة. فعندما يتحول القرار الإداري البسيط إلى سلعة تباع وتشترى وعندما تصبح الحصة الحزبية أو الولاء الفئوي معيارا للوصول إلى الفرص الاقتصادية بدل الكفاءة والجدارة فإن الحديث عن سياسة صناعية تنافسية يفقد مضمونه العملي. المستثمر الذي يريد إنشاء مصنع لا يحتاج فقط إلى رأس المال والتكنولوجيا والسوق بل يحتاج أولا إلى بيئة مؤسسية تتسم بالوضوح والاستقرار وسرعة الإنجاز وحين يكتشف أن الحصول على إجازة الاستثمار أو التخليص الكمركي أو ممارسة النشاط مرهون بدفع إتاوات غير رسمية أو بالخضوع لشبكات نفوذ تتجاوز القانون فإن الحسابات الاقتصادية تختل بالكامل وتتحول فرصة الربح إلى مخاطرة غير محسوبة. والنتيجة أن كثيرا من رؤوس الأموال الوطنية تفضل البقاء خاملة أو الهجرة إلى الخارج أو التوظيف في أنشطة ريعية سريعة العائد بدل المغامرة في استثمار صناعي طويل النفس تحت رحمة منظومة إدارية معادية للإنتاج بطباعها.
البيروقراطية العراقية ليست مجرد إجراءات روتينية ثقيلة كما في بعض الدول بل هي بيروقراطية من نوع خاص تدمج بين التعقيد الإجرائي الموروث من الحقبة الاشتراكية والفساد المنظم الذي نشأ بعد الانفتاح الاقتصادي غير المضبوط فأنتجت هجينا إداريا يعاقب الملتزم ويكافئ المخالف. في هذه البيئة يصبح استخراج الموافقات البيئية للمصنع رحلة قد تستغرق عاما كاملا بينما يمكن اختصارها بدفع مبلغ معين خارج المسارات الرسمية ويصبح المستثمر الأجنبي الذي اعتاد على العمل في بيئات مؤسسية شفافة عاجزا عن فهم قواعد اللعبة غير المكتوبة فينسحب بعد تجربة مريرة تاركا الساحة للمغامرين والوسطاء. وهكذا تفقد السياسات الصناعية الأكثر ذكاء قدرتها على تحقيق أهدافها ليس لأنها مصممة بشكل خاطئ بل لأن قناة التنفيذ مسدودة بالرواسب المتراكمة لعقود من الحوكمة المريضة.
تأثير هذه العوامل يمتد ليطال جوهر الرؤية الإصلاحية التي يقوم عليها التحول من الدعم الاستهلاكي إلى الدعم الإنتاجي فالمسألة ليست تقنية بحتة يمكن حلها بمراسيم إدارية بل تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن والمستثمر على أساس الشفافية والمساءلة وسيادة القانون. عندما تمنح الدولة قرضا ميسرا لمصنع صغير فإنها لا تقدم مجرد تسهيل مالي بل تمارس حكما قيميا على جدوى المشروع وأهليته وهذا الحكم لن يكون سليما ما لم تستند عملية الانتقاء إلى معايير موضوعية قابلة للقياس بعيدا عن المحسوبية. وعندما تفرض رسوما جمركية على المستوردات لحماية المنتج الوطني فإنها تخلق في الوقت نفسه حافزا للتهريب والتحايل وهذا الحافز لا يمكن كبحه ما لم تكن المنافذ الحدودية خاضعة لسلطة الدولة فعلا وليس لسلطة أمراء الحروب الاقتصادية الذين يديرون تجارة الظل. وعندما تخصص أراضي صناعية بأسعار رمزية فإنها تخلق ريعا عقاريا هائلا وهذا الريع سيتجه حتما إلى الجيوب الخطأ ما لم تكن عملية التخصيص محكومة بإجراءات واضحة وشفافة خاضعة للمراقبة والمحاسبة.
الحل إذن لا يقتصر على تصميم السياسات الاقتصادية الذكية بل يتطلب بالتوازي معها جراحة مؤسسية تعالج جذور الخلل في منظومة الحوكمة. وهذا لا يعني انتظار القضاء على الفساد بالكامل قبل البدء بالتنمية الصناعية لأن هذه المثالية ستؤدي إلى شلل كامل بل يعني تبني مقاربة مزدوجة المسار يعمل فيها الإصلاح المؤسسي والإصلاح الاقتصادي كجناحين لطائرة واحدة. فعلى المستوى المؤسسي يمكن البدء برقمنة الخدمات الحكومية المرتبطة بالاستثمار الصناعي بحيث يتحول الحصول على الإجازات والموافقات والتراخيص إلى عملية إلكترونية مؤتمتة تقلل نقاط التماس بين المستثمر والموظف وتجعل القرار خاضعا لمعايير آلية لا لمزاج الموظف أو طمعه. وعلى المستوى الرقابي يمكن تفعيل دور هيئات النزاهة والرقابة المالية عبر ربط عملها بمنظومات بيانات متكاملة تتعقب مسار القروض والإعفاءات والعقود الحكومية من المصدر إلى المستفيد النهائي. وعلى المستوى القانوني يمكن سن تشريعات صارمة تجرم عرقلة الاستثمار الصناعي وتضع سقوفا زمنية ملزمة لإنجاز المعاملات يتحول بعدها التأخير غير المبرر إلى مخالفة إدارية تستوجب العقاب لا إلى فرصة لطلب المزيد من الرشى.
إن إدخال بعد الحوكمة والفساد في تحليل إمكانية تطوير القطاع الصناعي ليس ترفا أكاديميا ولا تشاؤما وجوديا بل هو شرط ضروري لفهم لماذا ظلت السياسات الاقتصادية العراقية المتعاقبة حبرا على ورق ولماذا بقيت الموارد الهائلة محبوسة في حلقة الاستهلاك والهدر بدل أن تتحول إلى رأسمال إنتاجي. القطاع الصناعي يمكنه فعلا أن يكون بوابة الحل الكبرى للمشاكل الاقتصادية العراقية لكن هذا الباب لن يفتح بالمفاتيح الاقتصادية وحدها ما لم تصحبها مفاتيح الحوكمة التي تزيح الأقفال المؤسسية المتراكمة على مدى عقود. الفساد والبيروقراطية ليسا مجرد عائقين إضافيين يمكن إضافتهما إلى قائمة المعوقات بل هما المصفاة التي تمر عبرها كل السياسات والمبادرات فإما أن تخرج منها مشوهة وغير فعالة وإما أن تتعطل كليا قبل أن تصل إلى هدفها. الإصلاح الاقتصادي الحقيقي في العراق يبدأ من الإصلاح المؤسسي لأن السياسة الصناعية الأكثر إحكاما لا تساوي شيئا أمام شبكات المصالح التي تمتلك القدرة على ابتلاع كل محاولة جادة للتغيير وتحويلها إلى فرصة جديدة للإثراء غير المشروع. وعندما تنجح الدولة في استعادة هيبتها المؤسسية وفرض سيادة القانون على الفعل الاقتصادي عندئذ فقط تتحول المقترحات من نصوص نظرية إلى واقع ملموس وتصبح الصناعة بالفعل لا بالقول محركا للنمو ومحررا للاقتصاد من أسر النفط وضمانة لاستقرار اجتماعي لا يبنى على التوزيع المؤقت للريع بل على الإنتاج الدائم للثروة.

