المقاومة والسياسة بين شرعية السلاح وشرعية الدولة

د. احمد علي الكناني – سفير عراقي

من الطبيعي أن يثير ملف حصر السلاح بيد الدولة نقاشاً واسعاً داخل أي مجتمع مرّ بتجارب الاحتلال والإرهاب والحروب. فالسلاح لم يكن في مرحلة من المراحل مجرد أداة عسكرية بل ارتبط بالتضحية والدفاع عن الأرض وحماية المجتمع عندما واجهت الدولة تحديات وجودية.

ولهذا فإن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة لا تعني بالضرورة التقليل من دور المقاومة أو إنكار تضحياتها بل تنطلق من سؤال جوهري: ما هو الهدف النهائي للمقاومة؟

إذا كانت المقاومة قد نشأت لمواجهة الاحتلال أو صدّ خطر يهدد وجود الدولة والمجتمع فإن نجاحها يقاس بقدرتها على تحقيق تلك الأهداف لا بتحويل الوسيلة إلى غاية بحد ذاتها. فالسلاح وسيلة للدفاع عن الوطن وليس مشروعاً دائماً قائماً بذاته.

وعندما يزول الاحتلال أو يتراجع الخطر الذي استدعى حمل السلاح يصبح الانتقال إلى مرحلة ترسيخ الدولة والمؤسسات جزءاً من استكمال مشروع المقاومة لا نقيضاً له. فالدولة القوية القادرة على احتكار القوة القانونية هي الضامن الحقيقي للاستقرار والسيادة وحماية المكتسبات التي تحققت بالتضحيات.

أما المشاركة السياسية فهي ليست بديلاً عن المقاومة بقدر ما هي امتداد لها بوسائل مختلفة. فهدف العمل السياسي هو التأثير في القرار الوطني وصياغة السياسات العامة وحماية مصالح المجتمع من داخل مؤسسات الدولة. وإذا كانت المقاومة تسعى إلى حماية الوطن من الأخطار الخارجية فإن السياسة تسعى إلى بناء الوطن من الداخل ومنع انهياره بالفساد أو الانقسام أو سوء الإدارة.

ومن هنا فإن الهدف المشترك للمقاومة والسياسة يجب أن يكون خدمة الدولة وحماية المجتمع وتعزيز السيادة الوطنية. فالمقاومة من دون أفق سياسي قد تتحول إلى حالة دائمة من الصراع . والسياسة من دون مشروع وطني قد تتحول إلى مجرد منافسة على السلطة.

وفي هذا السياق فإن البيانات التي ترفض أي نقاش حول تنظيم السلاح أو إعادة هيكلته تثير تساؤلات مشروعة خصوصاً عندما تتضمن عبارات توحي بالاستخفاف بالآراء المخالفة أو التشكيك بوطنية القوى التي ترى أن المرحلة الحالية تقتضي تعزيز سلطة الدولة. فالحوار الوطني يفترض الاعتراف بحق الاختلاف لا تحويل الخلاف السياسي إلى تخوين أو سخرية.

كما أن المطالبة بأن تقوم الفصائل الراغبة بالاندماج في المشروع الوطني بحصر ما يوصف بـ”السلاح الاستراتيجي” إلى فصيل آخر بدلاً من الدولة، تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم المرجعية النهائية للقوة. فجوهر فكرة الدولة يقوم على أن تكون المؤسسات الرسمية هي الجهة الوحيدة المخولة بإدارة القوة المسلحة وتنظيمها وفق الدستور والقانون.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الانتصار لفكرة المقاومة أو لفكرة الدولة، بل في إيجاد صيغة تجعل الدولة هي الإطار الجامع لكل التضحيات والإنجازات. فالمقاومة التي قدمت الشهداء دفاعاً عن الوطن لا ينبغي أن تُوضع في مواجهة الدولة كما أن الدولة لا يمكن أن تكتمل سيادتها ما لم تكون صاحبة القرار النهائي في السلاح والأمن.

وفي النهاية يبقى السؤال الأهم: هل الهدف هو الحفاظ على السلاح أم الحفاظ على الوطن الذي حُمل السلاح من أجله؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد الاتجاه الصحيح لأي مشروع وطني سواء حمل عنوان المقاومة أو عنوان المشاركة السياسية.