د.احمد علي الكناني – سفير عراقي
يقوم النظام المالي في الدول الحديثة على قاعدة دستورية وإدارية تُعرف بـ”سنوية الموازنة” أي أن تقوم الحكومة بإعداد موازنة لسنة مالية واحدة تُعرض على البرلمان للمناقشة والتعديل والتصويت ثم تخضع بعد ذلك للرقابة والتقييم. والغاية من هذا المبدأ ليست شكلية بل تتعلق بمنع الحكومات من التصرف المفتوح بالأموال العامة وإبقاء القرار المالي خاضعاً للمراجعة الدورية وفق المتغيرات الاقتصادية والسياسية”.
لكن العراق شهد سابقة غير معهودة عندما تم إقرار الموازنة الاتحادية للأعوام 2023 و2024 و2025 دفعة واحدة فيما عُرف بـ”الموازنة الثلاثية”. ورغم أن الحكومة بررت ذلك بالرغبة في تحقيق الاستقرار المالي وضمان استمرار المشاريع وعدم تعطيلها بسبب الخلافات السياسية السنوية، إلا أن التجربة كشفت لاحقاً عن إشكالات عميقة على مستوى الإدارة المالية والانضباط الاقتصادي”.
إن أخطر ما في الموازنة الثلاثية أنها عملياً أضعفت الرقابة البرلمانية السنوية. ففي النظام الطبيعي تُجبر الحكومة كل عام على العودة إلى البرلمان لتبرير الإنفاق وتوضيح الإيرادات والعجز وأولويات الصرف أما حين تُمنح صلاحية الإنفاق لثلاث سنوات فإن مساحة المحاسبة تتراجع، وتتحول الموازنة إلى “تفويض سياسي طويل الأمد” أكثر من كونها أداة رقابية”.
كما أن الموازنة الثلاثية بُنيت على تقديرات مالية متفائلة خصوصاً فيما يتعلق بأسعار النفط والإيرادات المستقبلية في حين أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط وهو قطاع شديد التقلب. وهذا يعني أن أي انخفاض في الأسعار أو تراجع في الصادرات ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تغطية النفقات التشغيلية الضخمة وفي مقدمتها الرواتب والدعم الحكومي”.
وقد أدى هذا التوسع في الإنفاق إلى تضخم غير مسبوق في النفقات التشغيلية مقابل ضعف الاستثمار الحقيقي المنتج. فبدلاً من أن تتحول الوفرة النفطية إلى مشاريع استراتيجية تعزز الاقتصاد وتقلل الاعتماد على النفط جرى توجيه جزء كبير من الأموال نحو التوظيف السياسي والتعيينات والإنفاق الاستهلاكي وهو ما عمّق الأزمة البنيوية للاقتصاد العراقي”.
ولا يمكن فصل الموازنة الثلاثية عن طبيعة النظام السياسي القائم على التوافق والضغوط الحزبية. فالكثير من فقرات الموازنة لم تكن ناتجة عن رؤية اقتصادية بقدر ما كانت نتيجة تسويات سياسية بين القوى المتنفذة الأمر الذي جعل الموازنة أداة لإرضاء الكتل والتيارات أكثر من كونها برنامجاً للإصلاح المالي. ولهذا ظهرت لاحقاً مشكلات تتعلق بتأخر المشاريع وتضخم الالتزامات المالية وصعوبة السيطرة على العجز المتوقع مستقبلاً”.
إن الأزمة المالية التي يواجهها العراق اليوم لا يمكن اختزالها بالموازنة الثلاثية وحدها فهناك عوامل أعمق تتعلق بالفساد والاقتصاد الريعي وضعف الجباية والاعتماد شبه الكامل على النفط وغياب التخطيط الاقتصادي الحقيقي. لكن الموازنة الثلاثية ساهمت بلا شك في تعميق الاختلالات لأنها منحت السلطة التنفيذية مساحة إنفاق واسعة دون مراجعة سنوية حقيقية ورسخت ثقافة التوسع المالي المرتبط بالحلول السياسية المؤقتة”.
لقد أثبتت التجربة أن الاستقرار المالي لا يتحقق عبر تمديد عمر الموازنة بل عبر بناء اقتصاد منتج وتفعيل الرقابة وربط الإنفاق بالأولويات الوطنية لا بالتوازنات السياسية. فالدولة التي تُدار بعقلية الوفرة المؤقتة ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام أزمة دائمة مهما ارتفعت أسعار النفط أو تضاعفت الإيرادات”.
ولهذا فإن إعادة الاعتبار لمبدأ “سنوية الموازنة” لم تعد مجرد نقاش قانوني أو أكاديمي بل أصبحت ضرورة لحماية المال العام ومنع تحول الموازنة إلى أداة سياسية مفتوحة بلا سقف رقابي حقيقي”.

