علي قاسم – كاتب سياسي عراقي
اعتادت المدارس الكلاسيكية في العلاقات الدولية أن تقيس القوة بما تملكه الدول من جيوش. وبما تسيطر عليه من أراض. وبما تفرضه من نفوذ خارج حدودها. غير أن التاريخ يقدم في كل مرحلة استثناءات تجبر المنظرين على مراجعة تعريفاتهم. فهناك حروب لا تنتهي بانتصار كامل لطرف أو بهزيمة مطلقة لآخر. وإنما تنتهي بإعادة تعريف معنى القوة نفسها. وقد تكون المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة. والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. واحدة من تلك اللحظات التي تجاوزت نتائجها الميدان لتصل إلى بنية النظام الإقليمي بأكمله.
قبل هذه المواجهة. انشغل كثير من التحليلات بالسؤال عن حجم التراجع الذي أصاب النفوذ الإيراني بعد التحولات التي شهدتها سوريا.
وافترضت قراءات عديدة أن فقدان إحدى أهم ركائز الحضور الإيراني في المشرق سيقود تدريجياً إلى انكماش المشروع الإقليمي لطهران. غير أن تطور الأحداث أظهر أن النفوذ الجغرافي. على أهميته. ليس المعيار الوحيد لقياس القوة. فالدول لا تفقد مكانتها بمجرد خسارة ساحة نفوذ. كما أنها لا تحافظ على مكانتها بالخرائط وحدها. وإنما بقدرتها على إعادة إنتاج أدوات الردع عندما تتغير البيئة الاستراتيجية من حولها.
وهنا تكمن المفارقة التي فرضتها الحرب. فقد تعرضت إيران لضغوط عسكرية وأمنية وسياسية غير مسبوقة. واستهدفت قيادات عسكرية وعلمية. وتعرضت منشآت ومواقع لضربات مؤثرة. وكان التقدير السائد لدى كثير من المراقبين أن هذه الضغوط قد تقود إلى إرباك مؤسسات الدولة. أو إلى انقسام داخلي يحد من قدرتها على إدارة المواجهة.
إلا أن ما ظهر في الميدان كان مختلفاً إلى حد كبير. إذ استمرت مؤسسات الدولة في أداء وظائفها. وأعيد تنظيم مراكز القيادة بسرعة. واستمر القرار السياسي والعسكري في العمل من دون أن تظهر مؤشرات علنية على انهيار بنية الدولة أو فقدانها القدرة على إدارة الأزمة.
ولا يعني ذلك أن إيران خرجت من المواجهة من دون خسائر. فالخسائر كانت حقيقية ومؤلمة على المستويات العسكرية والبشرية والاقتصادية. لكن القراءة الاستراتيجية لا تتوقف عند حجم الخسارة وحده. وإنما تسأل سؤالاً آخر. هل نجح الطرف المقابل في تحقيق أهدافه السياسية كاملة. وهل تغير سلوك الدولة المستهدفة على النحو الذي سعت إليه الحرب. أم أن الدولة استطاعت المحافظة على قدرتها في اتخاذ القرار ومواصلة إدارة الصراع.
ومن هذه الزاوية. يصبح الصمود أكثر من مجرد حالة نفسية أو خطاب تعبوي. إنه يتحول إلى عنصر من عناصر القوة الاستراتيجية. لأن الدولة التي تحافظ على تماسك مؤسساتها. وتستمر في إدارة عملياتها العسكرية. وتبقي قرارها السياسي قائماً تحت أقصى درجات الضغط. تفرض على خصومها معادلة جديدة. وهي أن كلفة الحرب قد تصبح أعلى من المكاسب المتوقعة منها.
ولعل هذا ما يفسر أن النقاش بعد المواجهة لم يعد يتركز على سؤال من ربح ومن خسر فقط. وإنما على سؤال آخر أكثر عمقاً. هل تغير موقع إيران في النظام الإقليمي. أم أن المواجهة دفعت الجميع إلى إعادة تقييم هذا الموقع.
فإذا كانت القوة الإقليمية تقاس بالقدرة على التأثير في البيئة المحيطة. وبإجبار الخصوم على إعادة حساباتهم. وبالاستمرار في الفعل رغم الضغوط. فإن المواجهة الأخيرة دفعت كثيراً من العواصم إلى إعادة النظر في تقديراتها السابقة. ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت إيران ما تزال قوة إقليمية. وإنما حول طبيعة هذه القوة. وكيف تغيرت أدواتها. وما الحدود الجديدة التي أصبحت تفرضها على خصومها.
غير أن أهمية هذه الحرب لا تكمن في أنها أعادت تعريف مكانة إيران وحدها. وإنما لأنها أعادت تعريف طبيعة الردع في غرب آسيا. فالردع لم يعد يعني امتلاك السلاح فقط. ولا القدرة على شن الضربات فحسب. وإنما أصبح يعني أيضاً القدرة على الاستمرار. وإدارة الخسائر. ومنع الخصم من تحويل تفوقه العسكري إلى حسم سياسي. وهنا بدأ الإقليم يدخل مرحلة مختلفة. لم تعد فيها موازين القوى تقاس بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات وحدها. وإنما بقدرة كل طرف على جعل الحرب أكثر كلفة من السلام.
غير أن إعادة تعريف الردع لم تتوقف عند حدود الداخل الإيراني. وإنما انعكست على البيئة الإقليمية بأكملها. فالمواجهة الأخيرة لم تكن اختباراً لقدرة إيران على الصمود فقط. وإنما كانت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض إرادتهما العسكرية والسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
فعلى امتداد العقود الماضية. ارتبطت صورة القوة الأمريكية بقدرتها على حماية حلفائها وردع خصومها من خلال شبكة واسعة من القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج وغرب آسيا. وكانت هذه القواعد تمثل أحد أهم أعمدة النظام الأمني الذي تأسس بعد نهاية الحرب الباردة. غير أن المواجهة الأخيرة دفعت هذه المعادلة إلى اختبار غير مسبوق. إذ أصبحت القواعد نفسها جزءاً من ميدان الصراع. ولم تعد مجرد منصات تنطلق منها العمليات العسكرية.
لقد كشفت الضربات التي استهدفت مواقع وقواعد أمريكية في المنطقة. بصرف النظر عن حجم الأضرار الذي يظل موضع تباين في الروايات. أن شبكة الانتشار العسكري الأمريكية لم تعد بعيدة عن دائرة المخاطر. والأهم من ذلك أنها بعثت برسالة سياسية إلى دول المنطقة مفادها أن استضافة القواعد الأمريكية لم تعد تعني بالضرورة الحصانة من تداعيات أي مواجهة واسعة. وهو تحول ستكون له انعكاسات تتجاوز الميدان العسكري إلى حسابات الأمن الوطني لدى كثير من الدول.
ولم يكن الهدف الإيراني يقتصر على الرد العسكري المباشر. وإنما بدا وكأنه يسعى إلى إعادة صياغة معادلة الردع نفسها. فبدلاً من حصر المواجهة داخل الأراضي الإيرانية. جرى توسيعها لتشمل البنية الإقليمية التي تستند إليها القوة الأمريكية. وبذلك انتقلت الحرب من مواجهة بين دولتين إلى مواجهة بين شبكتين. شبكة انتشار عسكري تقودها واشنطن. وشبكة ردع إقليمية تحاول طهران الحفاظ عليها وإعادة تكييفها مع المتغيرات الجديدة.
ومن هنا بدأ يتغير إدراك كثير من العواصم الإقليمية لمفهوم المظلة الأمنية الأمريكية. فالقضية لم تعد تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على توجيه الضربات فحسب. وإنما بقدرتها على حماية البنية العسكرية والسياسية التي يقوم عليها نفوذها في المنطقة إذا اتسع نطاق المواجهة. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت تفوقها العسكري. فهو ما يزال تفوقاً واضحاً على مستوى القدرات التقليدية. لكنه يعني أن استخدام هذا التفوق أصبح أكثر كلفة وتعقيداً مما كان عليه في العقود السابقة.
وفي المقابل. لم يكن الأداء الإيراني قائماً على محاولة تحقيق تفوق عسكري شامل على الولايات المتحدة أو إسرائيل. فذلك لا يتوافق مع ميزان القوى القائم. وإنما انطلق من فرض كلفة متصاعدة على أي عمل عسكري واسع. وهي مقاربة تقترب من مفهوم الردع غير المتكافئ الذي يقوم على منع الخصم من تحقيق أهدافه السياسية من خلال رفع ثمن المواجهة إلى مستويات يصعب تحملها.
ولعل أحد أبرز تجليات هذه المقاربة ظهر في مضيق هرمز. فالصراع لم يعد يدور حول إغلاق المضيق أو إبقائه مفتوحاً كما جرت العادة في الأدبيات السياسية. وإنما أصبح يدور حول سؤال أكثر عمقاً. من يمتلك حق إدارة هذا الممر الحيوي. ومن يفرض قواعد المرور فيه. ومن يحدد شرعية الوجود العسكري الذي يؤمنه.
وهنا يستعيد التاريخ حضوره من جديد. فعندما أممت مصر قناة السويس عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين. لم يكن جوهر الأزمة في المجرى المائي نفسه. وإنما في حق الدولة الواقعة على ضفتيه في إدارة واحد من أهم شرايين التجارة العالمية. واليوم. ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية. يعود السؤال ذاته بصيغة جديدة في مضيق هرمز. هل يبقى أمن الممرات البحرية حكراً على القوى البحرية الكبرى. أم تستطيع الدولة المطلة عليها أن تفرض دوراً مقرراً في إدارتها الأمنية والسياسية.
ومن هذا المنظور. لم تعد إيران تحتاج إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة حتى تحقق أثراً استراتيجياً. فمجرد رفع مستوى المخاطر إلى الحد الذي يدفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة حساباتها. أو يدفع الأسواق إلى القلق من انقطاع الإمدادات. يكفي لجعل المضيق يتحول من ممر اقتصادي إلى ورقة تفاوض استراتيجية. وهنا تتجاوز المسألة الجغرافيا. لتصبح جزءاً من الصراع على قواعد النظام الإقليمي نفسه.
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تبحث عن تقليل أهمية هرمز عبر مشاريع الممر الأوسط. وطريق التنمية. ومسارات الطاقة البديلة. كانت طهران تحاول إثبات أن الجغرافيا لا يمكن تجاوزها بقرار سياسي وحده. وأن أي مشروع لإعادة رسم طرق التجارة والطاقة سيظل مضطراً إلى التعامل مع إيران باعتبارها أحد الفاعلين الرئيسيين في معادلات الخليج وغرب آسيا.
غير أن التحول الذي شهده مضيق هرمز لا يمكن عزله عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي نفسه. فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لنقل النفط والبضائع. وإنما أصبحت أدوات لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى. وكل تغيير في معادلات الخليج ينعكس بصورة مباشرة على مشاريع التجارة العالمية. وعلى سلاسل الطاقة. وعلى التنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
فبالنسبة إلى واشنطن. لا يمثل هرمز غاية بحد ذاته. وإنما جزءاً من رؤية أوسع تسعى إلى تقليل الاعتماد على الممرات التي تستطيع القوى المنافسة التأثير فيها. ولذلك برزت خلال السنوات الأخيرة مشاريع الممر الأوسط عبر تركيا وآسيا الوسطى. ومشروع طريق التنمية عبر العراق. إلى جانب مسارات بحرية وبرية أخرى تهدف إلى تنويع طرق انتقال الطاقة والتجارة. وهي مشاريع لا ترتبط بالاقتصاد وحده. وإنما تشكل جزءاً من إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في غرب آسيا.
لكن في المقابل. تدرك الصين أن أي إعادة رسم لهذه الممرات تمس بصورة مباشرة مشروع الحزام والطريق الذي استثمرت فيه لعقد كامل. كما تدرك أن استقرار إيران يمثل أحد المفاصل المهمة في شبكة الربط التي تسعى إلى وصل آسيا بأوروبا. ولذلك فإن بكين لا تنظر إلى إيران بوصفها مورداً للطاقة فقط. وإنما بوصفها عقدة جغرافية يصعب تجاوزها في أي تصور طويل الأمد للتجارة القارية.
أما روسيا. فإن حساباتها لا تقل تعقيداً. فهي تنظر إلى إيران باعتبارها شريكاً استراتيجياً في مواجهة الضغوط الغربية. كما ترى أن أي تغيير جذري في ميزان القوى داخل غرب آسيا قد يمنح الولايات المتحدة هامشاً أوسع لإعادة ترتيب المجال الأوراسي على نحو لا يخدم المصالح الروسية. ومن هذا المنطلق. فإن موسكو تجد مصلحة واضحة في بقاء إيران قادرة على الحفاظ على موقعها الإقليمي. حتى وإن اختلفت معها في بعض الملفات أو أولويات المرحلة.
ورغم عدم وجود إعلان رسمي عن دعم عسكري مباشر من الصين أو روسيا لإيران خلال المواجهة. فإن طبيعة التحالفات والمصالح المتشابكة تجعل من الصعب تصور أن تقف العاصمتان موقف المتفرج إذا تعرض التوازن الإقليمي لاختلال جذري. وقد ظهر ذلك في مستويات متعددة من الإسناد السياسي والدبلوماسي والتنسيق الاقتصادي. وفي استمرار التعاون التقني والعسكري ضمن الأطر المعلنة بين هذه الأطراف. لأن ما يجري لا يمس إيران وحدها. وإنما يمس أيضاً البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها موسكو وبكين.
وهكذا لم تعد المواجهة تدور بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل فقط. وإنما أصبحت تمس بصورة غير مباشرة أربعة مشاريع كبرى تتنافس على مستقبل المنطقة. المشروع الأمريكي الذي يسعى إلى إعادة هندسة التوازنات وتقليص كلفة الانخراط العسكري المباشر. والمشروع الإسرائيلي الذي يعمل على إعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يضمن تفوقه طويل الأمد. والمشروع الصيني القائم على حماية الممرات التجارية والطاقة وربط القارات. والمشروع الروسي الذي يهدف إلى منع تشكل نظام إقليمي يمنح واشنطن قدرة أكبر على تطويق المجال الأوراسي.
وفي قلب هذه المعادلة برز عامل آخر لا يقل أهمية. وهو الفواعل غير الدولتية. فقد أثبتت التطورات أن مفهوم الردع في غرب آسيا لم يعد يعتمد على الجيوش النظامية وحدها. وإنما أصبح يقوم أيضاً على شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة التي تمتلك قدرة على التأثير في مسارات الحرب خارج حدود الدول.
فحزب الله في لبنان. وأنصار الله في اليمن. والفصائل المسلحة في العراق. لم يعودوا مجرد امتدادات سياسية أو عسكرية لحلف إقليمي. وإنما أصبحوا جزءاً من معادلة الردع التي تجعل أي مواجهة مع إيران ذات أبعاد متعددة الساحات. وهذا لا يعني أن قرار هذه القوى يختزل في قرار واحد. فلكل منها حساباته وسياقاته الخاصة. لكنه يعني أن أي تصعيد واسع سيجد نفسه أمام بيئة إقليمية يصعب فصل ساحاتها عن بعضها البعض.
ولعل اليمن يقدم المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. فباب المندب لم يعد ممراً بحرياً منفصلاً عن هرمز. وإنما أصبح جزءاً من معادلة أمن الطاقة العالمية. وإذا كان هرمز يمثل البوابة الشرقية لتدفقات النفط. فإن باب المندب يمثل البوابة الغربية. وأي اضطراب متزامن في هذين الممرين لا يهدد دولة بعينها. وإنما يهدد منظومة التجارة الدولية بأكملها.
ومن هنا يمكن فهم سبب اتساع الاهتمام الدولي بما يجري في البحر الأحمر والخليج. فالقضية لم تعد محصورة في أمن الملاحة. وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل الاقتصاد العالمي نفسه. وبقدرة القوى الكبرى على حماية الممرات التي تقوم عليها سلاسل الإمداد والطاقة.
وهكذا تبدو إيران اليوم أمام معادلة مختلفة تماماً عن تلك التي كانت قائمة قبل سنوات. فهي لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه من نفوذ جغرافي. وإنما أيضاً بقدرتها على التأثير في حسابات القوى الكبرى. وعلى جعل أي مشروع لإعادة تشكيل غرب آسيا مضطراً إلى أخذ مصالحها وردود أفعالها في الحسبان. وهذا لا يعني أنها أصبحت قادرة على فرض إرادتها منفردة. لكنه يعني أيضاً أن تجاوزها أو التعامل معها بوصفها لاعباً ثانوياً لم يعد خياراً واقعياً في ظل التوازنات التي أفرزتها المواجهة الأخيرة.
وهذا يعني أن التحولات التي أفرزتها المواجهة الأخيرة لا يمكن اختزالها في نتائج ميدانية أو في حسابات الربح والخسارة المباشرة. فما جرى كشف أن ميزان القوى في غرب آسيا لم يعد يقوم على احتكار طرف واحد لحق استخدام القوة أو لحق إدارة النظام الإقليمي. وإنما أصبح قائماً على قدرة كل طرف في تعطيل مشاريع الطرف الآخر ورفع كلفة فرض الوقائع الجديدة.
ولهذا فإن الحديث عن إيران بعد هذه المواجهة لا ينبغي أن ينحصر في عدد الصواريخ التي أطلقت. أو في حجم الخسائر التي تعرضت لها. أو حتى في المساحات التي فقدتها أو احتفظت بها. فهذه كلها مؤشرات مهمة. لكنها لا تكفي وحدها لفهم التحول الذي أصاب البيئة الاستراتيجية في المنطقة. لأن ما تغير في الحقيقة هو إدراك القوى الإقليمية والدولية لطبيعة القوة الإيرانية وحدودها وإمكاناتها.
لقد أثبتت المواجهة أن الدولة التي تتعرض لضربات قاسية لا تتحول بالضرورة إلى دولة مهزومة. كما أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى تفوق سياسي. فالولايات المتحدة وإسرائيل احتفظتا بفارق واضح في القدرات العسكرية التقليدية. لكنهما واجهتا في المقابل واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في صعوبة تحويل هذا التفوق إلى حسم استراتيجي يفرض تغييراً جذرياً في سلوك إيران أو في موقعها داخل التوازنات الإقليمية.
وفي المقابل. لم تستطع إيران أن تمنع جميع الضربات أو أن تتجنب الخسائر. لكنها أظهرت قدرة على الاستمرار وإدارة الصراع ومنع خصومها من الوصول إلى أهدافهم القصوى. وهذه بحد ذاتها معادلة سيكون لها أثر طويل في حسابات أي مواجهة مقبلة. لأن الردع في نهاية المطاف لا يقوم على منع الحرب دائماً. وإنما على جعل نتائجها غير مضمونة للطرف الذي يبدأها.
ومن هنا يمكن القول إن أحد أهم نتائج هذه المواجهة يتمثل في إعادة تثبيت إيران بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها عند رسم مستقبل غرب آسيا. وليس لأن الحرب ألغت التحديات التي تواجهها. أو لأنها أنهت الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليها. وإنما لأنها أظهرت أن تأثيرها في معادلات الأمن والطاقة والممرات البحرية وشبكات الحلفاء ما زال كافياً لمنع أي مشروع إقليمي من النجاح إذا جرى تصميمه على أساس استبعادها بالكامل.
لكن ذلك لا يعني أن إيران خرجت من الحرب وقد حسمت الصراع لمصلحتها. فالتحديات التي تواجهها ما زالت كبيرة. والولايات المتحدة لم تتخل عن مشروعها لإعادة صياغة التوازنات في المنطقة. وإسرائيل ما زالت ترى في إضعاف إيران ومحورها هدفاً استراتيجياً بعيد المدى. كما أن مشاريع الممرات البديلة ومحاولات تقليص أهمية هرمز وإعادة تشكيل علاقات العراق الإقليمية وتثبيت وقائع جديدة في سوريا ولبنان ستستمر باعتبارها جزءاً من هذا التنافس الطويل.
وهذا يقود إلى حقيقة ربما تكون الأهم في هذه المرحلة. وهي أن غرب آسيا لم يعد يعيش مرحلة انتقال بين نظامين إقليميين. وإنما دخل مرحلة تتنافس فيها عدة مشاريع في وقت واحد. مشروع أمريكي يسعى إلى إعادة توزيع الأعباء وبناء منظومة تقوم على الممرات والربط الاقتصادي والتحالفات المرنة. ومشروع إسرائيلي يحاول تحويل التفوق العسكري إلى واقع جغرافي وأمني دائم. ومشروع تركي يعمل على توسيع مجاله الحيوي عبر الاقتصاد والنفوذ السياسي. ومشروع عربي يسعى إلى استعادة دوره عبر التمويل والاستثمار وإعادة بناء مراكز الثقل. ومشروع إيراني يقوم على الحفاظ على الردع ومنع تشكل نظام إقليمي يُقصيه عن معادلاته. إلى جانب حضور صيني وروسي يزداد أهمية كلما اتسعت المنافسة على طرق التجارة والطاقة والنفوذ.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد يدور حول من انتصر في الجولة الأخيرة. وإنما حول أي مشروع يمتلك القدرة على الصمود والاستمرار لعقد أو عقدين مقبلين. فالتاريخ لا يتذكر عادة نتائج المعارك المنفردة بقدر ما يتذكر القوى التي استطاعت التكيف مع التحولات الكبرى وإعادة بناء أدواتها كلما تغيرت البيئة من حولها.
وربما لهذا السبب لن يكون مستقبل غرب آسيا رهناً بعدد القواعد العسكرية أو حجم الترسانات وحدها. وإنما بقدرة القوى المتنافسة على بناء نظام إقليمي يستطيع الجمع بين الأمن والاقتصاد والممرات والطاقة والتحالفات في معادلة واحدة. وحتى الآن. لا يبدو أن أياً من هذه المشاريع يمتلك القدرة على فرض رؤيته منفرداً.

