د.نبيل رحيم العبادي – خبير مالي ومصرفي
مرة أخرى تعود فكرة الصناديق المشتركة إلى واجهة المشهد الاقتصادي العراقي وهذه المرة من بوابة الصناعة ومع شريك استراتيجي بحجم ألمانيا. الاتصال الهاتفي بين رئيس مجلس الوزراء والمستشار الألماني وما تضمنه من طرح لتأسيس صندوق عراقي ألماني مشترك لتمويل المشاريع الصناعية ليس حدثا عابرا بل هو إشارة إلى تحول محتمل في طريقة تفكير الدولة الاقتصادية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا يمثل هذا الصندوق بالتحديد أهمية قصوى للعراق في هذه المرحلة وما هي الرسالة التي يحملها للداخل والخارجي.
العراق يمتلك تجربة متواضعة مع الصناديق السيادية فلديه صندوق تنمية العراق الذي أنشئ بعد 2003 لإدارة عائدات النفط ولكن الفكرة هنا مختلفة تماما. نحن لا نتحدث عن صندوق يستثمر الفوائض المالية في أسواق المال العالمية بل عن صندوق تنموي مشترك موجه نحو الداخل العراقي لتأسيس قاعدة صناعية صلبة. هذا فارق جوهري لأن الصندوق السيادي التقليدي يحمي الاقتصاد من تقلبات أسعار النفط عبر تنويع الأصول المالية للدولة أما الصندوق المشترك المقترح فيسعى إلى تنويع الاقتصاد الحقيقي نفسه عبر خلق قطاعات منتجة جديدة.
المكسب الأول من هذا التوجه هو نقل التكنولوجيا والمعرفة الألمانية. الصناديق المشتركة مع دول صناعية كبرى لا تجلب رأس المال فقط بل تجلب معها الخبرة الفنية ونظم الإدارة الحديثة والتدريب وهذه هي الفجوة الحقيقية في الصناعة العراقية. الجانب الألماني الذي أبدى استعداد شركاته لتوسيع استثماراتها سينظر إلى وجود صندوق كهذا كضمانة ورافعة لتقاسم المخاطر فالمستثمر الأجنبي يتردد غالبا منفردا لكنه يتقدم بثقة أكبر عندما يكون شريكا مع الدولة في إطار مؤسسي واضح.
المكسب الثاني هو تعزيز ثقة القطاع الخاص المحلي. وجود صندوق سيادي موجه للصناعة يعني أن الدولة ستضخ سيولة استثمارية طويلة الأجل في هذا القطاع وهذا يشجع رجال الأعمال العراقيين على المغامرة في مشاريع صناعية متوسطة وكبيرة بدلا من الهروب إلى القطاعات الريعية السريعة مثل العقار والتجارة. الصندوق يبعث رسالة بأن الدولة رفعت شعار دعم الصناعة من مرحلة التصريحات إلى مرحلة التأسيس المؤسسي والتمويلي.
أما المكسب الثالث فهو أكثر عمقا ويتعلق بإصلاح البيئة الاستثمارية من الداخل. إدارة صندوق مشترك مع الجانب الألماني ستخضع حكما لمعايير الحوكمة والشفافية الدولية وهذا بمثابة درع واق من الآفة المزمنة التي يعاني منها العراق وهي الفساد. حديث رئيس الوزراء عن مكافحة الفساد وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة يكتسب مصداقية إضافية عندما يقترن بآلية عمل كالصندوق المشترك لأن أي انحراف في إدارته سيعرض الشراكة للفشل وهذا ما لا يمكن للطرفين تحمله.
بطبيعة الحال التحديات لا تزال كبيرة. نجاح هذه الفكرة يتوقف على تفاصيل كثيرة منها نسبة مساهمة كل طرف وآلية اختيار المشاريع والقطاعات الصناعية المستهدفة ومدى استقلالية إدارة الصندوق عن التجاذبات السياسية. كما أن المنافسة ستكون شرسة بين المحافظات والكتل السياسية للحصول على حصة الأسد من مشاريعه وهنا يكمن الخطر الأكبر إن لم توضع ضوابط الجدوى الاقتصادية فوق أي اعتبار آخر.
الدرس الذي يجب أن يتعلمه صانع القرار الاقتصادي العراقي من تجارب الدول الناجحة هو أن الصناديق السيادية التنموية تكون فعالة فقط عندما تدار بعقلية القطاع الخاص وليس بعقلية البيروقراطية الحكومية. التحدي الأكبر ليس في إنشاء الصندوق بل في حمايته من أن يصبح مجرد أداة توزيع موارد بشكل جديد.
تحية لهذا التوجه نحو الصناعة فهي وحدها القادرة على خلق وظائف دائمة للشباب العراقي وليس التوظيف الحكومي الوهمي. المطلوب الآن هو الانتقال السريع من مربع الاتصالات الهاتفية والتصريحات إلى مربع الاتفاقيات التفصيلية الملزمة فالمشاريع الصناعية لا تحتمل الإيقاع البطيء لإجراءاتنا التقليدية.

