د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي ومصرفي
حين تتنفس الأصول
لطالما قادتني السنوات الطوال في دهاليز الهندسة المالية وأروقة السياسات النقدية إلى قناعة راسخة بأن أزمة السيولة ليست قدراً محتوماً على الدول الغنية بأصولها، بل هي إخفاق في إدارة الثروة وتسييلها. أعود بذاكرتي إلى بدايات الألفية، حين كنا نواجه فجوة تمويلية خانقة في مشروعات البنية التحتية. لم نكن نعاني يومها من قلة الأصول، بل كنا نغرق في أصول ثابتة صماء: طرق سريعة، ومحطات كهرباء، ومجمعات حكومية ضخمة، كلها لا تتكلم ولا تدر سيولة تُذكر. حينها طرح أحد الزملاء فكرة بدت لنا يومها أقرب إلى الخيال، قال ببساطة: لماذا لا نستخرج قيمة هذه الأصول من دون أن نبيعها؟ لماذا لا نصنع سوقاً موازية لرأس المال من رحم أملاك الدولة التي تأكلها البيروقراطية؟ هذا السؤال البسيط قادنا إلى تجربة أراها اليوم المفتاح الحقيقي لمعالجة أزمة السيولة.
جوهر الفكرة يكمن في إصدار صكوك سيادية لا تمثل ديناً بالمعنى التقليدي الممل، بل تمثل حصة شائعة قابلة للتداول في منفعة أصل ما، مع بقاء رقبة هذا الأصل وامتلاكه النهائي في يد الدولة. هذا هو الفارق الجوهري الذي قد لا يدركه كثير من المسؤولين. نحن لا نتحدث عن تخصيص، ولا عن بيع لممتلكات الشعب تحت ضغط الحاجة إلى السيولة، بل نتحدث عن عملية أشبه بإعادة تدوير للأصول، نُخرج فيها القيمة المالية الكامنة في جدران المباني الحكومية وأسفلت الطرق، من دون أن تخرج هذه الأصول من دفاتر السيادة الوطنية. أذكر أني وقفت بنفسي عام ألفين وأربعة عشر في أحد المطارات الدولية التي كانت تتآكل أرضياتها، وقلت للمسؤولين هناك: هذا المطار وحده يستطيع أن يمول تطوير نفسه وأكثر، فقط لو أصدرنا صكوكاً بعوائده المرتقبة وأدرجناها للمواطنين والمستثمرين. لم يصدقني أحد حينها، ولكن هذا بالضبط ما فعلته ماليزيا مع صندوق خزانة ناسيونال، حيث مولت مشروعاتها الكبرى بصكوك دانينفرا، من دون أن تفرط بحبة رمل واحدة من سيادتها، والدرس الماليزي هنا ليس تقنياً فقط، بل هو درس في الثقة، ثقة المواطن في أصول بلده.
ما تعلمته من هذه التجارب، وهذا ما أود أن يصل بصدق إلى صانع القرار، أن نجاح أي إصدار سيادي مرهون بثلاثة أركان لا يقوم بدونها. الركن الأول هو الشفافية المطلقة في تقييم الأصل محل الصكوك. لا يمكن أن تقول للمستثمر: هذا الطريق السريع يساوي مئات الملايين، ثم يكتشف لاحقاً أن إيراداته لا تغطي نصف العائد الموعود. في تجربة سابقة أخفقت فيها أحد الإصدارات في منطقة الشرق الأوسط، كان السبب ببساطة أن التقييم كان وهمياً ومبنياً على توقعات حالمة، لا على حركة مرور حقيقية. الركن الثاني هو وجود سوق ثانوية نشطة وذكية لتداول هذه الصكوك، لأن المستثمر، سواء كان مواطناً بسيطاً أو مصرفاً كبيراً، يحتاج أن ينام مرتاح البال، وهو يعرف أن بوسعه تسييل حصته في أي وقت، وإلا تحولت الصكوك في يده إلى سندات ميتة لا روح فيها. والركن الثالث هو التنويع في الشرائح المستهدفة، إذ يجب ألا نحصر الإصدار في المؤسسات الكبرى فقط، بل نطلقه لفئة الأفراد بفئات صغيرة تبدأ من مئة دينار أو ما يعادلها، تماماً كما فعلت اليابان بعد الحرب في سندات إعادة الإعمار، وحينها فقط يتحول المواطن من مجرد متفرج على أزمات بلده إلى شريك حقيقي في حلها.
ثمة مسألة حساسة أخرى ترسخت لدي من واقع التعامل المباشر مع المقاولين والموردين في فترات تأخر مستحقاتهم الحكومية، ألا وهي إمكانية مقايضة هذه المستحقات بصكوك سيادية مدعومة بأصول. تصور معي أن المقاول الذي انتظر عامين لتحصيل أمواله، فجأة يجد في يده صكاً قابلاً للتداول، يمكنه أن يبيعه في السوق الثانوية ويحصل على سيولة فورية، أو يحتفظ به ويستفيد من عوائده الدورية. هذا الإجراء وحده يسحب فتيل أزمة مزدوجة، فهو يخفف الضغط على خزينة الدولة من جهة، ويمنع انهيار شركات القطاع الخاص الحيوية من جهة أخرى. جربنا نموذجاً شبيهاً بأدوات عينية تقليدية، فكان بطيئاً ومحبطاً للجميع، أما لو ربطناها بصكوك رقمية قابلة للتجزئة والتداول الفوري، لتغير المشهد كلياً. الخبرة الحقيقية علمتني أن الحلول العبقرية لا تحتاج إلى تعقيد، بل تحتاج فقط إلى شجاعة في اتخاذ القرار، وفهم عميق لأن الثروة الوطنية الحقيقية لا تكمن في حجم ما نملك، بل في سرعة دوران هذا الملك في عروق الاقتصاد، ليحوله من حجر صامت إلى سيولة منعشة تخلق فرص العمل وتبني المستقبل.

