خاص | شبكة إنماز نيوز
تستمر أزمة نقص المشتقات النفطية والوقود في إقليم كردستان العراق بالاستفحال للأسبوع الرابع على التوالي، متسببة في حالة من الشلل شبه الكامل لحركة التنقل والنشاط الاقتصادي في محافظتي أربيل ودهوك بشكل خاص.
وفي الوقت الذي تكتظ فيه شوارع المدن بطوابير السيارات الطويلة المنتظرة أمام محطات الوقود المغلقة، تزداد النقمة الشعبية ضد السياسات الاقتصادية والإدارية لحكومة الإقليم.
ورغم محاولات أربيل تحميل بغداد مسؤولية الأزمة، تشير البيانات الاقتصادية وشهادات المواطنين والمتخصصين إلى أن الأزمة تعود بالأساس إلى سوء إدارة ملف الطاقة المحلي، وغياب الشفافية في تحديد الاحتياجات الفعلية، فضلاً عن الصراعات السياسية المستمرة حول تشريع قانون اتحادي للنفط والغاز.
جذور الأزمة: أرقام متضاربة وإخفاق في إدارة الملف
بدأت الأزمة الحالية قبل نحو شهر، عندما شهدت أسواق الإقليم شحاً حاداً في مادة البنزين بجميع أنواعه (العادي، المحسن، والسوبر)، إلى جانب النقص في زيت الغاز (الديزل) وغاز الطبخ (LPG). ولم تسهم الإجراءات السريعة التي اتخذتها وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم —ومنها رفعه السقوف السعرية الرسمية—في حل المشكلة، بل فاقمت الأعباء على المواطنين. فقد ارتفع سعر لتر البنزين المحسن من 1000 إلى 1300 دينار، والبنزين السوبر من 1200 إلى 1500 دينار، بينما بقي السعر الرسمي للبنزين العادي المزعوم دعمه عند 850 ديناراً للتر دون أن يكون متوفراً بالفعل في أغلب المحطات.
وأمام هذا الشح، امتنعت العديد من محطات الوقود الأهلية عن البيع بالأسعار الرسمية، معللة ذلك بتكبدها خسائر مالية فادحة بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد والتكرير المحلي، مما فتح الباب واسعاً أمام انتعاش السوق السوداء. وتمددت مبيعات الوقود العشوائية على جوانب الطرق وفي الأزقة، حيث تجاوز سعر لتر البنزين 3000 دينار، أي ما يقارب ضعف السقف الرسمي المحدد للنوعيات العالية، وهو ما أسهم في رفع أجور النقل وتكاليف السلع الأساسية، ووجه ضربة موجعة للقدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والفقيرة.
موقف بغداد الاتحادي
تطورات الأزمة وتوضيحات إضافية من وزير النفط العراقي
في إطار التفاعلات المستمرة حول أزمة المشتقات النفطية في إقليم كردستان، واصل وزير النفط العراقي تسليط الضوء على الأبعاد الفنية والقانونية للنزاع القائم بين بغداد وأربيل، مشدداً على أن الحكومة الاتحادية تعاملت بروح المسؤولية الوطنية لتخفيف الأعباء عن المواطنين في الإقليم، إلا أن المعالجات الجزئية تبقى قاصرة أمام الاستحقاقات الهيكلية.
وأوضح الوزير في تصريحاته خلال مؤتمر صحافي، أن وزارة النفط الاتحادية لم تتوانَ عن تقديم الدعم العاجل كلما دعت الحاجة، مشيراً إلى أن الإقليم عندما واجه نقصاً حاداً ومفاجئاً في مادة غاز الطبخ (LPG) المؤثرة بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية، بادرت الوزارة فوراً بتوفير الكميات المطلوبة وضخها إلى أسواق الإقليم لتدارك الشلل في هذا القطاع الحيوي.
وأكد وزير النفط أن هذه المبادرات تثبت أن بغداد لا تسعى إلى فرض حصار أو تضييق اقتصادي على مواطني كردستان كما يُروج في بعض الأوساط السياسية المحليّة داخل أربيل، بل إن الأزمة تعود في جوهرها إلى آليات الاتفاق السابقة؛ حيث تمسكت حكومة الإقليم بالاحتفاظ بحصة 50 ألف برميل يومياً للاستهلاك المحلي اعتماداً على مصافيها الخاصة، مع الاستمرار في إدارة عمليات التكرير والتوزيع بعيداً عن المنظومة الاتحادية.
وأجدد الوزير رؤية بغداد القائمة على أن الحل الأكثر كفاءة وعدالة يتجسد في تسليم هذه الكميات للحكومة الاتحادية لغرض التصدير أو الإدارة المركزية، مقابل أن تتكفل وزارة النفط بتزويد الإقليم بكامل احتياجاته من المنتجات النفطية المكررة (كالثرة والبنزين وزيت الغاز) بالأسعار الرسمية والمدعومة نفسها التي تُباع بها في باقي المحافظات العراقية.
وشدد على أن استمرار هذا التباين في الأسعار والتخبط في تحديد الاحتياجات يرجع بالأساس إلى المماطلة في إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي، والذي يُعد الضامن الوحيد لوضع إطار تشريعي دائم ينهي حالة الضبابية، ويحدد التزامات كل طرف، ويمنع تكرار أزمات الوقود التي يدفع ثمنها المواطن أولاً وأخيراً.
المعضلة الأساسية في هذه الأزمة لا تكمن فقط في آليات التوزيع، بل في اضطراب الخطاب الرسمي لحكومة الإقليم بشأن حجم الاستهلاك المحلي والاحتياجات الفعلية. فبينما أكد وزير النفط العراقي أن حكومة الإقليم هي من طلبت بنفسها، خلال اتفاق النفط العام الماضي، تخصيص 50 ألف برميل يومياً من النفط الخام للاستهلاك المحلي بناءً على معطيات تؤكد وجود مصافٍ خاصة بها، أشار إلى أن بغداد اقترحت حينها تسلم تلك الكميات لتصديرها مقابل توفير المشتقات النفطية للإقليم بالسعر الرسمي المعتمد في باقي المحافظات، وهو ما رفضته أربيل حينها.
لكن التصريحات الأخيرة لمسؤولي الإقليم كشفت عن تخبط واضح؛ إذ صرح رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني بأن حصة 50 ألف برميل يومياً “فُرضت” على حكومته، وأن الاستهلاك الحقيقي يبلغ 126 ألف برميل. وفي الوقت نفسه، طالب تكتل الحزب الديمقراطي الكردستاني برفع الحصة إلى 140 ألف برميل يومياً، في حين ألمح المتحدث باسم حكومة الإقليم بيشوا هوراماني إلى أن احتياجات الإقليم الفعالية تصل إلى 180 ألف برميل يومياً، باعترافه أن 90 ألف برميل لا تغطي سوى نصف الطلب.
هذا التناقض الصارخ يطرح علامات استفهام اقتصادية كبيرة؛ فخلال عام واحد فقط (منذ يونيو/حزيران 2025 وحتى الآن)، قفزت مطالب الإقليم الرسمية من 65 ألف برميل يومياً—وهي النسبة التي طالبت بها وزارة الثروات الطبيعية بالوكالة وكانت قريبة من تقديرات لجان التدقيق المشتركة البالغة 46 ألف برميل—إلى أرقام تتراوح بين 126 ألفاً و180 ألف برميل. هذا التباين الشديد يعكس إما غياباً كاملاً لإحصاءات الاستهلاك الدقيقة لدى السلطات المحلية، أو استخدام أرقام الوقود كأوراق ضغط ومناورة في الصراعات السياسية والمفاوضات المالية مع الحكومة الاتحادية.
غضب في الشارع: سخط شعبي وتوجيه الاتهام لحكومة أربيل
على الأرض، لا تعني هذه السجالات الرقمية والسياسية للمواطن الكردي شيئاً سوى المزيد من المعاناة اليومية والانسداد الاقتصادي. وسادت حالة من السخط العارم بين أهالي المدن الرئيسية في الإقليم، الذين حَمّلوا سلطات أربيل المسؤولية المباشرة عن سوء إدارة القطاع والتقاعس عن إيجاد حلول جذرية.
يقول شيروان كوران (42 عاماً)، لـ«إنماز» وهو سائق سيارة أجرة في مدينة أربيل: “أقضي أكثر من خمس ساعات يومياً في طوابير الانتظار لأحصل على كمية محدودة من البنزين، وهذا إن حالفني الحظ ولم تُغلق المحطة أبوابها بدعوى نفاد المخزون. عملي شُل بالكامل، ودخلي اليومي تراجع إلى أدنى مستوياته.
حكومة أربيل تخبرنا يومياً بأرقام ومطالبات جديدة مع بغداد، لكن الحقيقة الواضحة لنا هي أن المسؤولين هنا فشلوا في إدارة مصافي النفط وفي ضبط الأسواق. كيف لإقليم يمتلك ثروات نفطية ومصافي خاصة أن يعجز عن توفير الوقود لسيارات مواطنيه؟ نحن ندفع ثمن القرارات السياسية الفاشلة والاحتكار التجاري للمحطات المقربة من السلطة.”
من جانبه، يعبر كاروان حمه سعيد (35 عاماً)، لـ«إنماز» وهو صاحب محلات لتجارة المواد الغذائية في دهوك، عن قلقه الدافق من التداعيات الاقتصادية للأزمة قائلاً: ارتفاع أسعار الوقود ونقصه الشديد أدى مباشرة إلى قفزة في تكاليف نقل البضائع من المنافذ الحدودية بين المدن. أصبحت التكلفة التشغيلية لتوريد البضائع مضاعفة، مما اضطرنا لرفع أسعار المواد الغذائية على المستهلك النهائي.
حكومة الإقليم تتحمل المسؤولية الكاملة لأنها تركَت الشارع تحت رحمة تجار السوق السوداء ولم تفرض الرقابة على محطات الوقود. بدلاً من إيجاد حلول حقيقية وتسهيل التعاون مع وزارة النفط الاتحادية لضمان التدفق السلس للمشتقات، تكتفي السلطات بنقل الأزمة إلى مربع المناكفات مع بغداد، بينما المواطن هو المتضرر الوحيد.”
وفي سياق متصل، ترى نينا أراس (29 عاماً)، لـ«إنماز» وهي مهندسة في السليمانية ، أن الأزمة تكشف عن عمق الخلل الإداري والمؤسسي في الإقليم، حيث تقول: لم نعد نثق بالأرقام التي تعلنها حكومة الإقليم؛ ففي كل شهر نسمع برقم جديد للاستهلاك اليومي، وتارة يُقال إن السبب بغداد وتارة أخرى يُقال إنها شركات التكرير. هذا التناقض يثبت أن أربيل لا تملك خطة استراتيجية لإدارة الطاقة والأزمات.
كيف يمكن لأسعار البنزين أن ترتفع رسمياً إلى 1500 دينار وتباع في الشوارع بـ 3000 دينار دون أي تدخل حازم من الجهات الرقابية؟ الإقليم يدير ملف الطاقة بعقلية تجارية وسياسية لا تعبأ بكرامة المواطن أو قدرته على العيش. يجب على حكومة الإقليم الاعتراف بوجود سوء إدارة حقيقي وتعديل مسارها بدلاً من إشغال الناس بأعذار واهية.”
أبعاد هيكلية وصراع الإطار القانوني الاتحادي
إن استمرار أزمة المشتقات النفطية في إقليم كردستان وتسارع وتيرتها يسلّط الضوء على الإشكالية الأعمق المتمثلة في غياب التشريعات الاتحادية الضابطة للعلاقة بين بغداد وأربيل. وكما أشار وزير النفط العراقي، فإن “قانون النفط والغاز هو القادر على تقديم جميع الحلول لهذه القضية”، في إشارة واضحة إلى أن الحلول الجزئية والترقيعية—مثل منح استثناءات أو ضخ كميات مؤقتة من غاز الطبخ أو البنزين—لن تنهي المشكلة ما لم يقر البرلمان العراقي إطاراً قانونياً يعيد تنظيم ملف الطاقة كاملاً.
يتضمن هذا الإطار الاتحادي آليات شفافة لحساب الإنتاج، وحجم الاستهلاك المحلي الفعلي بناءً على مسح ميداني معتمد، وتحديد التزامات التكرير والتوزيع بالأسعار الاتحادية الموحدة. وأمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تخضع مصافي الإقليم للرقابة والسيادة الاتحادية لضمان توزيع عادل ومستدام للوقود بأسعار مدعومة كما في باقي المحافظات، أو أن تنجح أربيل في إعادة هيكلة قطاع الطاقة الداخلي بفرز الحسابات التجارية عن الاستهلاك العام ومكافحة تهريب المشتقات واحتكار المحطات الأهلية.
وتبقى أزمة الوقود الحالية في كردستان شهادة حية على التبعات الثقيلة لتداخل السياسة بالقطاعات الخدمية والاقتصادية. ومع انسداد أفق الحلول القريبة واستمرار غلاء الأسعار وتوقف حركة الشارع، تزداد الفجوة بين الشارع الكردي والسلطة الحاكمة في أربيل، مما يضع الأخيرة أمام اختبار حقيقي لمراجعة سياساتها النفطية قبل أن تتحول أزمة الوقود إلى موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية التي قد يصعب السيطرة عليها.

