ثقب الموازنة الأسود: كيف تستنزف «امتيازات رفحاء» خزينة العراق في زمن الجفاف النقدي؟

شبكة إنماز نيوز | سدن السالم

يعيش الاقتصاد العراقي في عام 2026 على وقع أزمة مالية حادة ونقص غير مسبوق في السيولة النقدية، نتيجة تداخل المتغيرات الجيوسياسية الضغطة مع تراكمات سوء الإدارة المالية الداخلية.

ففي الوقت الذي شلت فيه الحرب الأمريكية على مضيق هرمز شريان الصادرات النفطية العراقية، وجدت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي نفسها أمام خزانة خاوية وتركة ثقيلة ورثتها عن حكومة محمد شياع السوداني، التي اهدرت تريليونات الدنانير في مشاريع خدمية واستثمارية صورية وغير منتجة.

وسط هذا المشهد المعقد، يعود إلى الواجهة ملف «امتيازات رفحاء» كأحد أكبر الثقوب السوداء التي تواصل نزف الموازنة العامة واستنزاف السيولة النقدية للدولة دون عائد اقتصادي.

أرقام صادمة.. كلفة الاستنزاف الشهري والسنوي

  1. تؤكد البيانات الرسمية والإحصائيات الخاصة بقانون محتجزي رفحاء حقيقة العبء المالي الصريح على خزينة الدولة:
    حجم المستفيدين: يصل إجمالي المسجلين والمستفيدين من القانون إلى ما بين 29,000 و30,000 مستفيد، شاملاً ذلك رؤساء العوائل وأفراد أسرهم المولودين في المخيمات.
  2. الكلفة الإجمالية: تتراوح التكلفة الكلية لرواتب هذه الفئة بين 38 إلى 40 مليار دينار عراقي شهرياً (أي نحو نصف تريليون دينار سنوياً) تصرف مباشرة عبر مؤسسة السجناء السياسيين من الموازنة الاتحادية.
  3. سقف الراتب الفردي: كان الراتب التقاعدي للفرد يتراوح بموجب التشريع الأصلي بين 1.2 إلى 1.4 مليون دينار عراقي شهرياً، مع إمكانية الجمع بين عدة رواتب للعائلة الواحدة.
  4. التعديل الحكومي (القرار رقم 27): اشترط القرار الحكومي رقم 27 لتنظيم الصرف تحديد السقف الأعلى للراتب بـ مليون دينار عراقي شهرياً، واقتصار الدفع على رب الأسرة المقيم داخل العراق فقط، مع إلغاء ازدواج الرواتب وإيقاف الصرف للمقيمين خارج البلاد.
  5. واقع المستحقين الفعلي: عقب تطبيق الضوابط الحازمة، تبيّن أن عدد المستفيدين المقيمين داخل العراق ممن تستوفى فيهم الشروط لا يتجاوز 4,000 مستفيد فقط من أصل الـ 30 ألفاً؛ مما يعني أن أكثر من 85% من التخصيصات الماليّة السابقة كانت تذهب إلى أفراد مقيمين في دول أوروبا وبلدان المغترب.

القراءة الاقتصادية والمالية: تسريب السيولة للخارج ومصادرة حقوق الإنتاج

يرى الاستشاري الاقتصادي د. حيدر سليم العبدلي، أن خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في ضخامة الرقم، بل في طبيعة الدورة النقدية للمبالغ المصروفة؛ إذ يقول في تصريح لـ«إنماز»: “في علم المالية العامة، تشكل الرواتب والمنح تشجيعاً للاقتصاد المحلي من خلال إعادة تدوير الأموال داخل الأسواق الوطنية عبر الاستهلاك. لكن في حالة رفحاء، فإن النسبة الأكبر من الـ 40 مليار دينار شهرياً كانت تخرج فوراً كتحويلات خارجية للمقيمين في دول اللجوء الأوربي، مما يعني تسريباً مباشراً للسيولة بالعملة الصعبة وتغذية لأسواق دول أخرى على حساب الدينار العراقي. واليوم، وفي ظل شح السيولة في عام 2026 وأزمة تصدير النفط بسبب أحداث مضيق هرمز، أصبحت الدولة تعاني لتأمين رواتب الرعاية الاجتماعية والموظفين الفعليين، بينما تستنزف التشريعات غير المرنة الموازنة التشغيلية بلا جدوى”.

ويضيف العبدلي أن تركة الحكومة السابقة التي ضاعفت الإنفاق التشغيلي وجففت الاحتياطيات المالية في مشاريع غير منتجة، تجعل من استمرار صرف هذه الامتيازات المالية المزدوجة جريمة بحق الاستقرار المالي العراقي.

الرؤية القانونية: الصدام بين التشريعات والضرورة القاهرة

من الجانب القانوني، يؤكد الخبير في القانون الدستوري الأستاذ أركان البصري، أن المادة 27 والقرارات المنظمة اصطدمت مراراً وتكراراً بالثغرات التشريعية المفصلة في قانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم 35 لسنة 2013 وتعديلاته.

ويبيّن البصري في تصريح لـ«إنماز» : “القوانين التي أُقرت بضغوط وسياسات الترضية الحزبية منحت امتيازات مطلقّة تجعل من المستحيل على الحكومة تعديلها بقرارات وزارية بسيطة دون معالجة برلمانية جذريّة. فحسب قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019، تُعد الرواتب والالتزامات التقاعدية نفقات حاكمة لا يمكن إسقاطها إلا بتعديل تشريعي من مجلس النواب”.

ويستطرد البصري موضحاً: “إن الوضع الراهن في عام 2026 وضع الحكومة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما خرق الالتزامات المالية والتعرض للطعون القضائية أمام المحكمة الاتحادية، أو الاستمرار بالصرف على حساب إنقاذ الاقتصاد. إن تطبيق القرار 27 بصرامة واقتصار التمويل على الـ 4,000 مستفيد المقيمين فعلياً في الداخل هو الحد الأدنى القانوني المتوفر لمنع تداعي الخزينة المفلسة أصلاً بسبب انخفاض إيرادات النفط من مضيق هرمز”.

مستقبل الموازنة بين التقشف وإعادة الهيكلة

مع استمرار الحصار المالي الناتج عن التوترات البحرية في الممرات النفطية، وتوقف صلب الإيرادات الحكومية، أصبحت صيانة السيولة النقدية مسألة أمن قومي. لم يعد بمقدور حكومة علي الزيدي تحمّل الكلفة المرتفعة للقرارات والتشريعات التي صُممت في حقب الوفرة النفطية وتسببت بتبديد ثروات البلاد.

إن إلغاء ازدواج الرواتب، وإعادة تدقيق سجلات رفحاء والسجناء السياسيين، واقتصار الدعم على المستحقين الفعليين داخل العراق، يقف في مقدمة الخطوات الضرورية لتفادي الانهيار المالي الإجمالي، وإعادة توجيه السيولة المتبقية لدعم الفئات الأكثر هشاشة والقطاعات الحيوية لضمان استمرار حياة المواطن العراقي.