شبكة إنماز نيوز | خاص
في ظاهر القرار، تبدو المسألة إدارية وتقنية: اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة بدلاً من البطاقة الانتخابية. لكن في عمقها السياسي، قد تكون الخطوة واحدة من أكثر القرارات تأثيراً في شكل المنافسة الانتخابية المقبلة، خصوصاً إذا جرى تنفيذها ضمن منظومة متكاملة من الرقابة والتدقيق ومنع استغلال المال السياسي.
رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي وجّه باعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة، كما وجّه وزارة الداخلية بتوفير جميع البيانات والمعلومات المطلوبة للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لاستكمال المتطلبات الفنية والإدارية اللازمة لهذا الاعتماد.

القرار لا ينبغي قراءته بمعزل عن طبيعة الانتخابات العراقية، التي شهدت خلال دورات سابقة منافسة شديدة بين مئات المرشحين، وسط اتهامات ومخاوف متكررة من استخدام المال السياسي وشراء الأصوات والتأثير في إرادة الناخبين.
وتبرز هنا تقديرات متداولة تشير إلى أن الأموال التي يمكن أن تُنفق بصورة مباشرة أو غير مباشرة على شراء الأصوات قد تصل، في مجموعها، إلى نحو 500 مليار دينار. وهذا الرقم، إذا ما قورن بحجم الإنفاق الانتخابي والاقتصاد السياسي للانتخابات، يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يستطيع قرار اعتماد البطاقة الوطنية أن يقلص مساحة المال السياسي في الانتخابات المقبلة؟
القرار أبعد من مجرد تغيير وثيقة
أهمية القرار لا تكمن في أن الناخب سيستخدم بطاقة مختلفة أثناء التصويت فحسب، وإنما في طبيعة البيانات التي تقف خلف هذه البطاقة.
فالهوية الوطنية الموحدة ترتبط بمنظومة بيانات مدنية أوسع، ما يمنح العملية الانتخابية فرصة للاستفادة من قاعدة بيانات أكثر شمولاً ودقة، إذا ما جرى الربط التقني بصورة سليمة بين وزارة الداخلية والمفوضية.
وهذا ما ركز عليه الزيدي عندما وجّه وزارة الداخلية بتوفير البيانات والمعلومات المطلوبة للمفوضية، بالتزامن مع بحث الآليات والخطوات اللازمة لاستكمال المتطلبات الفنية والإدارية.
سياسياً، يعني ذلك أن الحكومة تحاول الانتقال من نظام انتخابي يعتمد على وثيقة انتخابية منفصلة إلى نظام تكون فيه هوية المواطن المدنية هي الأساس في إثبات شخصيته الانتخابية.
وهذا التحول يمكن أن يرفع مستوى التدقيق ويقلل هامش المناورة في بعض الممارسات الانتخابية غير القانونية.
لكن هنا يجب التمييز بين أمرين: تسهيل عملية التصويت من جهة، ومكافحة شراء الأصوات من جهة أخرى.
فالقرار قد يغلق بعض الأبواب، لكنه لن يكون كافياً وحده لإنهاء ظاهرة المال السياسي.
لماذا يمثل المال السياسي مشكلة أكبر من الانتخابات؟
عندما يدفع المرشح أموالاً للحصول على أصوات، فإن المشكلة لا تتوقف عند لحظة الاقتراع. المال الذي يدخل الانتخابات بهدف شراء النفوذ قد يتحول لاحقاً إلى نفوذ سياسي، ثم إلى قدرة على التأثير في القرارات العامة.
وبذلك يصبح شراء الصوت استثماراً سياسياً يبحث صاحبه عن استرداده بعد الفوز.
وهنا تتحول الانتخابات من منافسة بين مشاريع وبرامج إلى منافسة بين القدرات المالية، ويصبح المرشح الأكثر قدرة على الإنفاق في موقع متقدم على المرشح الذي يعتمد على برنامجه أو تاريخه السياسي.
هذه المعادلة خطيرة على الديمقراطية، لأنها تجعل قيمة الصوت مرتبطة بقدرة المرشح على الدفع، لا بقدرته على إقناع المواطن.
ومن هذه الزاوية، فإن أي إجراء يقلل من قدرة المرشح على تحويل الأموال إلى أصوات فعلية يمكن أن يغير شيئاً في قواعد اللعبة.
ماذا يعني رقم 500 مليار دينار؟
الحديث عن نحو 500 مليار دينار كأموال تُنفق أو يمكن أن تُنفق في عمليات شراء الأصوات يجب التعامل معه بوصفه تقديراً متداولاً وليس رقماً رسمياً مثبتاً ما لم يصدر عن جهة رقابية أو إحصائية مختصة.
فإن الرقم يكشف حجم الاقتصاد الموازي الذي يمكن أن يتشكل حول الانتخابات.
فلو افترضنا أن هذا المبلغ (حسب مصادر)، يمثل فعلاً إنفاقاً انتخابياً غير مشروع، فإن القضية لا تتعلق فقط بـ500 مليار دينار، وإنما بآلية ضخ هذه الأموال في المجتمع خلال فترة انتخابية قصيرة.
المال ينتقل من المرشحين أو الجهات الداعمة لهم إلى الوسطاء وشبكات انتخابية ومجموعات محلية وناخبين، ثم يعود بعد الانتخابات في صورة نفوذ سياسي.
أي أن الأموال تتحول إلى أصوات، والأصوات تتحول إلى مقاعد، والمقاعد تتحول إلى نفوذ، والنفوذ قد يتحول لاحقاً إلى قدرة على الوصول إلى الموارد والقرار.
وهنا تظهر خطورة المال السياسي باعتباره دورة اقتصادية وسياسية متكاملة.
هل يستطيع الزيدي قطع هذه الدورة؟
القرار يمكن أن يساهم في ذلك، لكنه لا يستطيع بمفرده.
اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة قد يجعل عملية التصويت أكثر ارتباطاً بالهوية المدنية للناخب، ويمنح المفوضية فرصة لبناء إجراءات تحقق أكثر دقة، كما يمكن أن يقلل بعض أشكال استغلال الوثائق الانتخابية.
لكن شراء الصوت لا يعتمد بالضرورة على امتلاك البطاقة.
المرشح الذي يريد شراء صوت يمكنه أن يدفع المال قبل يوم الاقتراع، أو يقدم منفعة للناخب، أو يستخدم وسيطاً محلياً، أو يعتمد على شبكة من الأشخاص لمراقبة التزام الناخب بما وعد به.
لذلك، فإن نجاح القرار في مواجهة المال السياسي يتوقف على ما سيأتي بعده.
المعركة الحقيقية تبدأ بعد القرار
إذا أرادت الحكومة والمفوضية تحويل القرار إلى إصلاح انتخابي حقيقي، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون بناء قاعدة بيانات انتخابية دقيقة ومحدثة، وربطها بالهوية الوطنية بصورة تضمن عدم وجود تكرار أو أخطاء أو ثغرات.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في تشديد الرقابة على الإنفاق الانتخابي.
من أين حصل المرشح على الأموال؟ كم أنفق؟ أين أنفق؟ من هم الوسطاء؟ وهل تتناسب الأموال التي صُرفت مع السقف القانوني للإنفاق الانتخابي؟
هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من البطاقة نفسها.
كما أن الرقابة يجب ألا تقتصر على المرشح، بل تمتد إلى الجهات التي تموله، وإلى الشركات والأفراد الذين يقدمون الدعم المالي، وإلى أي شبكة تستخدم المال للتأثير في إرادة الناخب.
الانتخابات المقبلة أمام معادلة جديدة
إذا نجح اعتماد البطاقة الوطنية في تقليل بعض الثغرات الانتخابية، بالتزامن مع رقابة مالية حقيقية، فقد يجد المرشحون أنفسهم أمام بيئة انتخابية مختلفة.
فالمرشح الذي كان يعتقد أن امتلاك المال يمثل أقصر طريق إلى الفوز سيضطر إلى إعادة حساباته.
وقد تنتقل المنافسة تدريجياً من سؤال: كم تستطيع أن تدفع؟ إلى سؤال: ماذا تستطيع أن تقدم للناخب؟
وهذه النقلة، إذا تحققت، ستكون ذات أثر سياسي كبير.
فالانتخابات الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المشاركين، وإنما بمدى استقلال قرار الناخب عن الضغوط المالية والاجتماعية والسياسية.
من إصلاح البطاقة إلى إصلاح الانتخابات
الاختبار الحقيقي لقرار الزيدي لن يكون يوم إعلان استخدام البطاقة الوطنية، وإنما يوم الانتخابات.
حينها ستظهر قدرة النظام الجديد على تسهيل التصويت، ودقة البيانات، وسرعة التحقق من الناخب، ومنع الانتحال والتلاعب، والأهم: قدرة الجهات الرقابية على ملاحقة عمليات شراء الأصوات.
لذلك، فإن البطاقة الوطنية يمكن أن تكون أداة إصلاح، لكنها ليست الإصلاح بأكمله.
فالمال السياسي يحتاج إلى تشريع ورقابة وقضاء وإجراءات تنفيذية، فضلاً عن وعي انتخابي يرفض تحويل الصوت إلى سلعة.
هل يقطع الزيدي الطريق أمام شراء الأصوات؟
ربما لا يستطيع قرار واحد أن يقطع الطريق بالكامل، لكنه يستطيع أن يضيّق الطريق.
وهنا تكمن أهمية الخطوة.
فإذا اقترنت البطاقة الوطنية بقاعدة بيانات انتخابية دقيقة، ونظام تحقق إلكتروني موثوق، ورقابة صارمة على تمويل الحملات، ومحاسبة فعلية لمن يشتري الأصوات أو يبيعها، فإن الانتخابات المقبلة قد تشهد تراجعاً في قدرة المال على صناعة النتائج.
أما إذا بقي القرار مجرد تغيير في وثيقة الناخب، من دون إصلاح البيئة المالية والسياسية المحيطة بالانتخابات، فإن المال السياسي سيجد طريقاً آخر.
ولهذا فإن قرار الزيدي يجب أن يُقرأ باعتباره بداية معركة، لا نهايتها.
معركة عنوانها الأوسع: هل يمكن للدولة أن تجعل صوت المواطن أغلى من المال الذي يُدفع لشرائه؟
فإذا نجحت الإجابة، لن يكون المستفيد مرشحاً بعينه ولا حزباً بعينه، وإنما العملية الديمقراطية العراقية بأكملها.
وفي بلد يمكن أن تصل فيه تقديرات الإنفاق على شراء الأصوات إلى مئات المليارات، فإن منع تحويل المال إلى أصوات لا يمثل إصلاحاً انتخابياً فقط، بل يمثل أيضاً إصلاحاً في العلاقة بين المال والسلطة والدولة.
وهنا تحديداً يصبح قرار اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنه اختبار سياسي حقيقي لقدرة الدولة على حماية صوت الناخب، لأن من يحمي صوت المواطن لا يحمي ورقة في صندوق، وإنما يحمي المسار الذي تُبنى عليه السلطة في الدولة.

