د.نبيل رحيم العبادي | خبير مصرفي ومالي
عندما تابعتُ الإعلان الذي صدر عن وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت في 24 آب الماضي، لم أقرأه كخبر عابر، بل كـ إنذار مبكر موجه لكل من يعمل في منظومة المال والأعمال في منطقتنا. فما أطلقت عليه واشنطن اسم (عملية المنبوذ الاقتصادي)، هو في جوهره إعلان حرب على البنى التحتية المالية التي تدعم الاقتصاد الإيراني، وليس فقط على السفن والشركات الوهمية.
ولأني أعرف دقائق عمل القطاع المصرفي في العراق عن كثب، أستطيع أن أؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في العقوبات الأولية (التي تستهدف إيران مباشرة)، بل في تلك (العقوبات الثانوية) التي تتحدث عنها واشنطن. بيسنت قالها صراحة: (لا أحد فوق نطاق العقوبات)، وحين سُئل عن البنوك الصينية، لم يتردد في توجيه رسالة بأن الحبل على الجرار.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا كعراقيين: كيف سنتعامل مع هذا المشهد الجديد، ونحن نستورد الغاز والكهرباء من جارتنا الشرقية، وتمويل هذه الاستيرادات يتم عبر قنوات مصرفية معقدة، كثير منها لا يظهر على السطح؟
الأمر لم يعد مقتصراً على التأكد من أن اسم العميل ليس مدرجاً في قائمة OFAC. هذا كان أمس. اليوم، ومع هذه العملية الأمريكية الجديدة، أصبح المطلوب هو ما يمكن تسميته بـ(استخبارات العقوبات) وليس مجرد (تدقيق الأسماء). يجب علينا كخبراء ومصرفيين أن ننظر إلى الصورة الأكبر: من هو المالك الحقيقي للشركة التي تطلب تحويلاً؟ ما هو مسار السفينة التي تنقل البضاعة؟ هل هناك أي علاقة غير مباشرة بين هذا الطرف وأي من الكيانات المستهدفة في خريطة واشنطن الجديدة التي تشمل خمسة قطاعات حساسة: الأصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، الطيران، والشحن البحري؟
في جلسات العمل التي جمعتني بزملائي في المصارف، أكرر دائماً أن (الفحص) لم يعد كافياً. فالخطر اليوم قد يأتي من خلال علاقة مصرفنا المراسل مع بنك في دولة ثالثة، يبدو ظاهرياً بعيداً عن إيران، لكنه قد يكون جزءاً من الشبكة التي رسمتها وزارة الخزانة. بيسنت هدد صراحة بفرض عقوبات على (مؤسسة مالية كبرى) قبل نهاية هذا الأسبوع، وهذا يعني أن التدقيق سيشمل حتى أكبر اللاعبين.
من واقع تجربتي، أقول إن القطاع المصرفي العراقي أمام خيارين لا ثالث لهما:
· إما أن يستعد لهذه المرحلة الجديدة عبر بناء قدرات امتثال حقيقية، تمكنه من تتبع (المالك المستفيد) وكشف سلاسل الملكية المعقدة التي تخفي وراءها جهات محظورة، وخصوصاً مع تزايد استخدام العملات المشفرة كملاذ لتجاوز النظام التقليدي.
· وإما أن يظل رهينة أدوات الامتثال التقليدية، وهو ما سيعني حتماً تعقيد تحويلاتنا المالية، وارتفاع كلفة التجارة، وربما وقوع بعض مؤسساتنا المالية في دائرة الشبهات، ولو بشكل غير مقصود.
لا أبالغ إذا قلت إن التحدي الذي تفرضه (عملية المنبوذ الاقتصادي) ليس تقنياً بحتاً، بل هو اختبار لمدى فهم صناع القرار والمصرفيين في العراق لطبيعة الصراع الاقتصادي الجديد. فالقادم أصعب، ومن لا يقرأ الخريطة الأمريكية بعناية، قد يجد نفسه وقد دفع الثمن دون أن يدري.

