د.محمد بهجت ثامر | كاتب وخبير استشاري
القيادة ليست مجرد مهارات إدارية أو قدرة على اتخاذ القرار، بل إنها منظومة قيم يأتي في مقدمتها الشعور بالأمانة. اذ يعد المنصب تكليف وتشريف مؤقت لأي شخص، لا ملكية دائمة.
ففي بيئات العمل الناجحة تكون الكفاءة والاجتهاد والإنجاز هي المعايير الحقيقية للتقدير والتقدم في المناصب القيادية، إلا أن في العراق الأمر مختلف تماماً فما نشاهده اليوم من وكلاء وزراء اتهموا بالفساد، ينسف هذا المبدأ كلياً ، وإذا ما راجعنا سيرة هولاء نكشف عن ظاهرة مقلقة تتمثل في الوصولية والتملق، وهي ممارسات لا تضر بالأفراد فحسب، بل تمتد آثارها إلى المؤسسات الحكومية بأكملها.
إذا أصبح التقرب من أصحاب القرار أو مجاملة المسؤولين طريقًا مختصرًا للمناصب العليا بغض النظر عن الكفاءة وهذا يضعف قيمة الموظف الذي يتميز بالعمل الجاد والشفاف ويبعث برسائل سلبية إلى الكفاءات الحقيقية، عندها يشعر أصحاب الكفاءة والخبرة والعطاء بأن جهودهم لا تجد التقدير المستحق، بينما يتصدر المشهد من يجيدون صناعة العلاقات أكثر من صناعة الإنجازات.
إن تشخيص واقع المؤسسات الحكومية بات أمرًا ضروريًّا اليوم، لأن التشخيص السليم نصف العلاج، خصوصًا بعدما تبين معاناة وزارات حيوية من فساد بنيوي فالحكومة تعيش اليوم لحظةً مفصلية تتقاطع فيها أزمات فساد متجذّرة في مؤسساتها على نحو يجعل مستقبلها مفتوحًا على كل الاحتمالات.
إن أخطر ما في المسؤول الفاسد ليس حجم الأموال التي سرقها فحسب بل تحوّله إلى سلوك يُمارَس بجرأة وكأنه أمر طبيعي لا يستوجب الخجل أو المحاسبة وكما يقول المثل الشائع «من أمن العقاب اساء الأدب» في حين يعد الفساد آفة فتاكة تضرب المؤسسات الحكومية وان الازمة الاقتصادية الأخيرة ليست بسبب العجز في الأموال ولكن بسبب الفائض في اللصوص، فالأموال موجودة بكثرة، لكن الأيدي التي تمتد إليها أكثر من الأيدي التي تحميها لذا على الحكومة حماية المؤسسات من الفساد وذلك بوضع خطة استراتيجية ممنهجة لردع المتسلقين والذين يتخذون من التملق جسراً للوصول إلى مراكز القرار مع ضرورة ان تكون الخطة مدعومة باطار قانوني لمكافحة الفاسدين في العراق وبمسارات وأهداف قابلة للتحقيق واعتماد مبادئ الشفافية والكفاءة في اختيار المناصب العليا ،ان تنفيذ الخطة ليس خيارًا ترفيًا، بل ضرورة فرضها الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية.
حيث ان نجاح الخطة كفيل بأن يعزز تصنيف العراق لدى منظمة الشفافية الدولية، ويضمن مستقبلًا أكثر ازدهارًا واستدامة للأجيال القادمة.

