إنماز نيوز – منذ انتهاء انتخابات مجلس النواب العراقي التي جرت في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، شهدت أربيل حركة سياسية غير مسبوقة. زعماء الكتل والشخصيات المؤثرة في المشهد العراقي بدأوا يتقاطرون بوتيرة متسارعة إلى مقرّ الزعيم الكردي مسعود بارزاني في بيرمام، في ما يشبه “حجّاً سياسياً” نحو عاصمة الإقليم. خلال أيام قليلة، التقى بارزاني كلاً من نوري المالكي، عمار الحكيم، فائق زيدان، رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وصولاً إلى أحدث الزوار إياد علاوي، الذي صدر بيان رسمي يؤكد بحثه مع بارزاني نتائج الانتخابات ومسارات ما بعد الاقتراع.
هذا المشهد الثابت منذ 2003 يعود اليوم بزخم واضح، لكن تحت معادلات جديدة في بغداد وأربيل معاً. فما الذي يجعل زعماء بغداد يشدّون الرحال إلى أربيل؟ ولماذا أصبح لقاء بارزاني محطة أساسية قبل أي تفاهمات تتعلق بالحكومة الاتحادية المقبلة؟
قيمة بارزاني الرمزية والسياسية
على مدى عقدين، استطاع مسعود بارزاني ترسيخ موقعه السياسي كأحد أهم صانعي التوازن في العراق. ورغم عدم توليه منصباً تنفيذياً اليوم، فإن ما يمثله داخل الإقليم وخارجه يمنحه تأثيرًا مباشرًا في هندسة أي تسوية وطنية.
بارزاني ليس مجرد زعيم حزبي؛ هو رمز كردي، وصاحب شرعية شعبية واجتماعية، ويمتلك شبكة علاقات إقليمية ودولية تمتد من أنقرة وطهران إلى واشنطن وبروكسل. هذه المكانة تجعل أي طرف سياسي عراقي معني بتشكيل الحكومة أو إدارة المرحلة ما بعد الانتخابات يسعى للجلوس معه.
في لقاءاته الأخيرة، بدا واضحاً أن كثيراً من الرسائل تُرسل عبر أربيل قبل أن تُعلن عبر بغداد.
أربيل مركز توازن وليس طرفاً ثانوياً
خلال السنوات الماضية، تغيّر وزن إقليم كردستان في السياسة الاتحادية.
ففي زمن الانقسامات الشيعية، والخلافات السنية، والتشتت داخل القوى المدنية، حافظ الإقليم على حدٍّ أدنى من الانسجام السياسي. وفي كل لحظات الانسداد، كانت أربيل تقدم نفسها بوصفها مدينة يمكن أن تبدأ منها المبادرات، كما جرى في موجة التفاوض لتشكيل حكومات 2010 و2018 و2021.
ما يحدث بعد انتخابات 2025 ليس بعيداً عن هذا السياق.
النتائج المتقاربة بين القوى الكبيرة، وغياب كتلة حاسمة، ووجود ملفات ثقيلة مؤجلة — من الموازنة والنفط إلى المادة 140 — جعل من أربيل رقماً واجب الاحترام قبل الدخول في أي تحالف.
لذلك، فإن زيارة شخصيات مثل زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، والذي غالباً ما كانت له مواقف متوترة مع الإقليم في سنوات سابقة، يحمل دلالة واضحة: المرحلة المقبلة لا تتحمل القطيعة، والجلوس مع بارزاني أصبح جزءاً من معادلة الحكم وليس خياراً دبلوماسياً فقط.
السوداني في أربيل: ما يعنيه ذلك؟
لقاء رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مع بارزاني في دهوك، على هامش منتدى MEPS، حمل رسالة أكثر عمقاً من مجرد تبادل تهنئة بنجاح الانتخابات.
السوداني، الذي يسعى إلى ولاية ثانية مستقرة، يعرف أن مفتاح الاستقرار يمر عبر ثلاثة أبواب:
- تهدئة الملف الكردي.
- ضبط العلاقة مع القوى الشيعية المتنافسة.
- منع عودة أزمة تشكيل الحكومة التي شهدتها البلاد مراراً.
لقاؤه ببارزاني يشير إلى محاولة لخلق أرضية تفاهمات مبكرة، حتى قبل أن تتبلور الكتلة الأكبر في بغداد.
فائق زيدان وعُقدة الشرعية الدستورية
زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان لأربيل كانت أيضاً محط اهتمام.
زيدان أحد أهم الفاعلين في رسم الإطار الدستوري للمرحلة المقبلة، ووجوده إلى جانب بارزاني يعني أن القضائي والسياسي باتا يتحركان جنباً إلى جنب. في لقاءهما، جرى التأكيد على “الالتزام بالمواعيد الدستورية” لاجتماع البرلمان وانتخاب الرئاسات، وهي إشارة مبكرة إلى رغبة بتجنب أي انسداد دستوري، وتحييد القضاء من أي صراع سياسي محتمل.
عمار الحكيم: الجسر الشيعي – الكردي
أما زيارة زعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم قبل أيام قليلة من زيارة علاوي، فهي جزء من تحركات تيار الحكمة لإعادة التموضع في الخريطة الشيعية. الحكيم لطالما كان الأقرب إلى أربيل من خصومه الشيعة، وهو اليوم يحاول لعب دور “المُيسّر” بين القوى الشيعية الساعية إلى بناء تحالف يحفظ توازنًا مع الكرد، بعيداً عن أي إقصاء.
وجوده في أربيل يعني أن الحوار الكردي – الشيعي قد بدأ فعلياً قبل أن يُعلن عنه رسمياً.
إياد علاوي: صوت “الوسط السياسي” يعود
زيارة اليوم لرئيس ائتلاف الوطنية إياد علاوي، وصدور بيان رسمي يؤكد تباحثه مع بارزاني بشأن نتائج الانتخابات، أحيت أجواء 2010 عندما كان علاوي وبارزاني طرفين رئيسيين في معركة “الكتلة الأكبر”.
علاوي اليوم لا يمتلك كتلة كبيرة، لكنه يمتلك شبكة علاقات وخبرة سياسية تجعل حضوره مؤشراً إلى أن مرحلة “التفاهمات العابرة للمكونات” قد بدأت. كما أن حضوره في أربيل يذكّر بقيمة بارزاني كقناة للحوار بين التيارات التي لا تلتقي بسهولة في بغداد.
لماذا أربيل؟ ولماذا بارزاني؟
يمكن تلخيص أسباب “الحج السياسي” من بغداد إلى أربيل في ثلاثة مستويات:
1. الشرعية السياسية
بارزاني يمثل ثقلاً سياسياً حقيقياً. الدعم الذي يمنحه لأي مشروع حكومي يضفي عليه شرعية سياسية واجتماعية، ليس داخل الإقليم فقط، بل بين العرب السنة والشيعة أيضاً.
2. مفاتيح تشكيل الحكومة
الإقليم يمتلك نحو 60 مقعداً بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، وهو ما يكفي لترجيح كفة أي تحالف.
الإنجاز الحكومي القادم يحتاج “الكتلة الكردية الموحدة” — أو أقرب شيء لها — وهو ما لا يمكن تحقيقه دون الحديث المباشر مع بارزاني.
3. أربيل منطقة حياد نسبي
في وقت تُفرغ فيه بغداد من ثقة المتحاورين بسبب تراكم الخلافات، تبدو أربيل مكاناً مثالياً لأي محادثات بلا ضجيج. هنا، كل طرف يستطيع أن يطرح رؤيته دون ضغط أو استقطاب داخلي.
زيارة علاوي اليوم، وسبقتها زيارات المالكي والحكيم والسوداني وزيدان، ليست أحداثاً متفرقة، بل مؤشر لتحول حقيقي في قواعد السياسة العراقية بعد انتخابات 2025.
أربيل ليست محطة بروتوكولية، وبارزاني لم يعد مجرد لاعب ضمن المنظومة؛ بل أصبح قوة ضبط إيقاع سياسي، وحاضنة لحوار وطني هادئ، ومرجعية لا يمكن تجاوزها في لحظة تشهد صراعاً على تشكيل الحكومة وتحديد مستقبل التحالفات.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: لماذا يذهب سياسيّو بغداد إلى أربيل؟
بل أصبح: هل يمكن أن تتشكل الحكومة من دون المرور بأربيل؟
والإجابة، على ما يبدو حتى الآن: لا.

