لماذا تُباع الشقق في كردستان بالتقسيط المريح.. وفي بغداد بالدفع الثقيل؟

علي كريم إذهيب – باحث في الشأن الاقتصادي العراقي

تشهد سوق العقار في العراق تباينًا واضحًا بين إقليم كردستان ومحافظة بغداد، لا سيما في ما يتعلق بآليات التسويق وخطط الدفع في المشاريع السكنية. فبينما تعتمد غالبية المجمعات السكنية في كردستان مقدّمًا منخفضًا يتراوح بين 50 إلى 75 ورقة (5,000–7,500 دولار)، مع قسط شهري لا يتجاوز 300 دولار، ترتفع الأعباء المالية بشكل كبير على المواطن البغدادي الذي يواجه مقدمًا يصل إلى 30 مليون دينار، مع دفعات فصلية تبلغ 20 مليون دينار، وأقساط شهرية تتراوح بين 1 إلى 2.5 مليون دينار.

هذا التفاوت الكبير لا يرتبط بالسعر النهائي للوحدة السكنية فقط، بل بطبيعة السوق، وهيكل الاستثمار، ونمط التمويل المعتمد في كل منطقة. وفيما يلي أبرز الأسباب التي تقف خلف هذا الاختلاف:

  1. اختلاف البيئة الاستثمارية وطبيعة السوق

إقليم كردستان يتمتع ببيئة أكثر استقرارًا سياسيًا وإداريًا نسبيًا، ما يجعل الشركات الأجنبية والإقليمية أكثر استعدادًا للدخول في مشاريع طويلة الأمد بنظام التمويل الميسر.
أما بغداد، فتعاني من تعقيدات إدارية وبيروقراطية تنظيمية ومخاطر أمنية أعلى، ما يدفع الشركات إلى تقليل المخاطر من خلال تحميل المستهلك دفعات أعلى.

  1. اعتماد شركات كردستان على نموذج “التمويل المبني على البيع”

معظم الشركات في الإقليم تعتمد على مبدأ البيع قبل الإنشاء أو خلال المراحل الأولى، مما يتيح لها توفير سيولة عبر الأقساط الشهرية المنخفضة وطول فترة السداد.
في بغداد، تعتمد الشركات غالبًا على رأس المال الذاتي أو الاقتراض، ما يجعلها تحتاج إلى سيولة كبيرة مقدماً، وبالتالي تطلب دفعات عالية للسير في عمليات البناء.

  1. تكلفة الأرض والفرص الاستثمارية

سعر الأرض في بغداد أعلى بكثير بسبب الازدحام والكثافة السكانية وشح الأراضي المتاحة داخل حدود العاصمة.
في كردستان، تتوفر الأراضي بكلف أقل وشروط تخصيص أسهل، ما ينعكس على سياسة التسعير.

  1. تدخل الدولة

في الإقليم، توجد فجوة دعم غير مباشرة عبر تسهيلات للمستثمرين، وإجراءات سريعة لتخصيص الأراضي وتخفيض الرسوم، مما يقلل من كلف المشروع النهائية.
في المقابل، مشاريع بغداد غالبًا ما تتم عبر القطاع الخاص دون دعم واضح، مع كلف تراخيص وبنى تحتية يتحملها المستثمر بشكل مباشر.

  1. القدرة الشرائية المستهدفة

المشاريع في كردستان غالبًا ما تستهدف القوة الشرائية المتوسطة والمنخفضة داخل الإقليم والوافدين، ما يفرض على الشركات تقديم شروط سهلة لضمان جذب المشترين.
أما بغداد، فالكثير من المشاريع تستهدف شريحة أعلى دخلًا، مما يجعل الأسعار وطبيعة الدفعات أقل مرونة.

  1. نمط البناء والمواد المستخدمة

بعض المشاريع في الإقليم تعتمد على البناء السريع ومواد منخفضة الكلفة وأساليب Ready-made، بينما في بغداد تُفرض معايير بناء أعلى أو كلف إضافية للبنى التحتية التي غالبًا ليست متوفرة من الدولة.

الاختلاف بين كردستان وبغداد ليس مجرد فارق أسعار، بل هو نتيجة تفاوت بيئة الأعمال، وطريقة التمويل، وكلفة الأرض، ونمط الاستهداف السوقي. وفي ظل تزايد حاجة المواطنين للسكن بأسعار ميسرة، يبقى السؤال الأهم:
هل يمكن لبغداد أن تتبنى نماذج تمويل مشابهة للإقليم لتخفيف العبء عن المواطن؟