حين تحكم الدفاترُ !

علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي

لم يعد التحول الذي يشهده المشهد السياسي مجرد تغيير في الوجوه أو تداول تقليدي للسلطة. بل هو إعلان صريح عن نهاية حقبة وبداية أخرى . إنه اللحظة التي تخلت فيها السياسة عن آخر أقنعتها . لتكشف عن آليتها الحقيقية “إدارة المصالح لا إدارة الدولة”. ما كان يُهمس به في الغرف المغلقة أصبح اليوم يُمارس علناً من أعلى منصة تنفيذية .ليؤكد أن نبوءات المحذرين لم تكن تطرفاً .بل قراءة مبكرة لمسار الانهيار.

يكشف المشهد عن مفارقة جوهرية .حين يُسلّم أرفع منصب سيادي لشخصية لا تنتمي إلى الفضاء السياسي التقليدي ولا إلى المؤسسة الأمنية .بل تنحدر مباشرة من قطاع المال والمصارف الخاصة. هذا التحول ليس ترقية لرجل أعمال ناجح . بل هو إعادة تعريف لمنصب رئيس الوزراء ذاته. لم يعد الرجل الأول في الدولة رمزاً للسيادة الوطنية أو حامل رؤية استراتيجية. بل تحول إلى ما يشبه مديراً تنفيذياً لمجلس إدارة عملاق .مهمته الأساسية تسيير الأعمال اليومية .وضمان تدفق الحصص والعمولات .وتجنب أي اصطدام قد يعطل دورة الربح. إنه تتويج لمسار طويل تحولت فيه الدولة من كيان سياسي إلى مجرد آلية لتوزيع الموارد بين المساهمين.

يكمن بيت القصيد في تشريح البنية السرطانية للاقتصاد حيث لم تكن المصارف الأهلية يومًا مؤسسات تنموية داعمة للإنتاج . بل واجهات مالية لكتل نافذة . تضخمت لتعمل كمضخات منهجية لتهريب العملة الصعبة وغسيل الأموال تحت غطاء الاستيراد الوهمي. لم يكن هذا الفساد عابرًا أو هامشيًا . بل أضحى طابقًا كاملًا من منظومة الحكم هو الذي ينتج السياسة لا العكس. واليوم حين يتولى أحد أبناء هذه المنظومة رأس الهرم التنفيذي. يتأكد أن كارتيلات المال لم تعد تكتفي بالتحكم من وراء الستار .بل صعدت لتمسك بزمام القيادة علنًا.

لكن المحرك الأعمق لهذا التحول ليس نضجاً سياسياً ولا توافقاً وطنياً . بل هو صدمة خارجية. لقد جاء التغيير تحت وطأة فيتو صارم على صقور السياسة التقليدية . وعجز كامل عن مواجهة شروط صارمة فرضتها الخزانة الأمريكية على حركة الدولار والمصارف. التحذير القديم بأن واشنطن لن تسكت إلى الأبد عن نزيف العملة الخضراء من العراق تحقق بالكامل. لقد بدأت العقوبات والقيود تخنق الاقتصاد المعتمد كلياً على الريع النفطي.

لتخلق أزمة وجودية للنظام السياسي القائم على المحاصصة. وهكذا. ولد مرشح التسوية من رحم الحاجة إلى حل الأزمة التي تسبب بها نمط الإدارة الذي يمثله . في مفارقة تكشف عبثية المشهد بأكمله.

إن ما يجري ليس تطوراً ديمقراطياً ولا انتقالاً سلساً للسلطة . بل هو الإعلان الرسمي عن موت السياسة التقليدية القائمة على البرامج والشرعية الشعبية.

لقد حل محلها نموذج براغماتي خالص . حيث تجتمع القوى المتصارعة على طاولة واحدة بصفتها مساهمين في شركة قابضة عملاقة اسمها الدولة. في هذا النموذج . لا وجود لمواطنين . بل هناك تفاصيل ثانوية في معادلة الأرباح. ولا وجود لسياسة خارجية ذات مبدأ. بل هناك إدارة أزمات مع المجتمع الدولي لتأمين استمرار التدفقات المال.

لقد صدقت نبوءة الصندوق الأسود. الدولة التي تفرط في نظامها المصرفي وتسمح للمال السياسي بابتلاع مؤسساتها ومواردها. ستنتهي حتماً بأن تُدار بعقلية المحاسبين ومديري المحافظ الاستثمارية.

النتيجة لم تعد مجرد فشل في تقديم الخدمات . بل تحول وجودي في طبيعة السلطة ذاتها. من يحكم اليوم لا يمثل أمة ولا يحمل عقيدة وطنية لتفكيك الأزمات .بل يدير دفتر حسابات. وعندما تصبح الدفاتر هي التي تحكم . يصبح السؤال عن مستقبل الوطن بلا معنى،.لأن الوطن نفسه يتحول إلى مجرد بند في ميزانية التصفية.