جيوبوليتيك الشرق الأوسط الجديد!

علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي

في لحظة نادرة من الزمن السياسي تتقاطع الخيوط لتكشف عن مشهد لا يحتمل التأويل. المنطقة على حافة إعادة تشكيل عميقة .لا بالدبلوماسية الصامتة، بل بزلزال من الفولاذ والنار. ففي غضون لحظات هزيلة بالمعيار الزمني . انهارت جدران السياسة المعتادة لتحل محلها إيقاعات الحرب والتحالفات المكشوفة. حاملة معها أسئلة الوجود والمصير لدول بأكملها.

كانت البداية مع جسر جوي غير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب حيث أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية عن نقل 6500 طن من العتاد الحربي شملت آلاف الذخائر الجوية والأرضية وعربات تكتيكية خفيفة عبر سفينتي شحن وعدد من طائرات النقل العسكري بالتنسيق مع البنتاغون.

هذا الزخم اللوجستي وفق تقديرات محللين عسكريين لا يشير إلى إمداد روتيني بل إلى تحضير لمرحلة عملياتية مختلفة. وسرعان ما جاء تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي ليصب في هذا الاتجاه .حين أشار إلى أن الجيش “يستعد حالياً للعودة لقتال إيران” مضيفاً أن بنك أهداف جديداً عُرض على الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب . يتضمن ضرب العمق الإيراني.

هذا الاعتراف ينقل المشهد من خانة التكهنات إلى مربع النوايا المعلنة ويرفع مستوى المخاطر الإقليمية إلى درجتها القصوى. وفي المقابل لم تصدر تعليقات رسمية حاسمة من طهران إلا أن القيادة الايرانية كانت قد حذرت مراراً من أن أي اعتداء على الأراضي الإيرانية سيُواجَه برد قاسٍ ومفتوح على كل الاحتمالات.

ويتقاطع ذلك مع قراءة ديفيد دي روش المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية. الذي يرى أن تجدد الحرب مستنداً إلى قناعة داخل بعض دوائر القرار بأن ترامب بدأ يقتنع بأن طهران تستخدم الوقت للمماطلة لا للتفاوض، متجنبةً الملفات الجوهرية؛ المضيق . البرنامج النووي .الأذرع الإقليمية والصواريخ الباليستية.

لكن في مقابل هذا الاتجاه المتشدد، ثمة أصوات داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية تحذر من أن الحرب مع إيران لن تبقى محصورة جغرافياً بل ستعيد إشعال الشرق الأوسط من الخليج إلى شرق المتوسط وتفتح الباب أمام حرب ممرات بحرية واستنزاف اقتصادي عالمي قد يفوق في أثره كل ما شهدته المنطقة منذ حرب الخليج الثانية.

لكن الانفجار الحقيقي جاء من صفحات “فاينانشال تايمز” التي كشفت ما يمكن وصفه بأكبر عملية اندماج عسكري إسرائيلي داخل الخليج في التاريخ الحديث. فالإمارات .وفق التقرير، لم تكتفِ بالحصول على منظومات “سبايدر” لرصد المسيّرات والصواريخ الإيرانية .ولا بنظام الليزر الدفاعي الأحدث عالمياً .بل إن جوهر الصفقة تمثل في العنصر البشري نفسه ؛عشرات الجنود من قوات النخبة الإسرائيلية باتوا يعملون فعلياً داخل الأراضي الإماراتية لتشغيل تلك المنظومات والإشراف عليها.

هنا لم يعد الحديث عن تطبيع سياسي يُدار في الغرف المغلقة .بل عن إعادة هندسة أمنية للمنطقة .تتحول فيها بعض العواصم الخليجية إلى نقاط ارتكاز متقدمة ضمن البنية العسكرية الإسرائيلية ـ الأمريكية. وتبرر أبوظبي هذا التعاون .في أحاديث غير رسمية .بأنه يأتي ضمن حقها المشروع في تحصين أمنها القومي ضد التهديدات المتصاعدة. لكن هذا التبرير لا يلغي حقيقة أكثر خطورة؛ أن الإمارات بنتيجة هذه الخيارات .باتت في قلب أي بنك أهداف إيراني محتمل.

ولعل أخطر ما في المشهد أن هذا الاحتمال لم يعد نظرياً. فالتطورات الأخيرة المرتبطة بمحاولات استهداف العمق الإماراتي، سواء عبر رسائل نارية غير مباشرة أو عبر معلومات أمنية عن نشاط متزايد لخلايا وطائرات مسيّرة مرتبطة بمحور إيران .دفعت أبوظبي إلى الانتقال من مرحلة الاطمئنان الاستثماري إلى عقلية الدولة المحاصرة أمنياً. ومن هنا جاء قرار وزارة الخارجية الإماراتية بحظر سفر المواطنين إلى إيران ولبنان والعراق مع مطالبة الموجودين هناك بالمغادرة الفورية. القرار، وإن صيغ دبلوماسياً حمل في جوهره اعترافاً مبطناً بأن الخليج دخل فعلياً مرحلة ما قبل الانفجار الكبير.

غير أن التحول الأكثر إثارة للانتباه تمثل في مشروع دونالد ترامب الذي طُرح فجأة تحت عنوان “الحرية الملاحية” وهو مشروع بدا في ظاهره تحالفاً دولياً لحماية الملاحة والطاقة في الخليج والبحر الأحمر لكنه في باطنه كان محاولة لإعادة تشكيل السيطرة العسكرية على الممرات البحرية الاستراتيجية تحت القيادة الأمريكية المباشرة. المشروع . بحسب قراءات عديدة لم يكن منفصلاً عن التصعيد ضد إيران .بل خطوة استباقية لفرض معادلة جديدة عنوانها؛ من يسيطر على البحر يسيطر على الاقتصاد العالمي.

لكن المفاجأة كانت في التراجع السريع عنه خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. هذا التراجع فتح باباً واسعاً للتأويلات داخل الأوساط السياسية والعسكرية. فهناك من قرأه بوصفه مؤشراً على وجود انقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها بين جناح يدفع نحو المواجهة المفتوحة .وآخر يدرك أن أي مغامرة بحرية ضد إيران قد تشعل المضائق دفعة واحدة .من هرمز إلى باب المندب .وتدفع أسعار الطاقة والتأمين والشحن إلى مستويات كارثية.

في المقابل، ذهبت قراءات أخرى إلى أن إلغاء المشروع لم يكن تراجعاً بقدر ما كان إعادة تموضع تكتيكي . بعدما وصلت إلى واشنطن رسائل استخبارية واضحة مفادها أن طهران لن تتعامل مع أي تحالف بحري جديد بوصفه قوة ردع، بل باعتباره إعلان حرب مباشر. وهذا ما يفسر الارتباك الأمريكي المفاجئ .إذ بدا أن البيت الأبيض اكتشف أن نظرية “الضغط المحدود” لم تعد قابلة للحياة في شرق أوسط مشبع بالصواريخ والطائرات المسيّرة وحروب الوكلاء.

وهنا تتكشف الصورة الكبرى ؛ المنطقة لم تعد تتحرك ضمن خرائط سايكس ـ بيكو القديمة .بل داخل خرائط جديدة تُرسم بالنار والتكنولوجيا والممرات المائية والتحالفات العسكرية العابرة للحدود. إسرائيل تسعى لتثبيت نفسها كقوة أمنية مركزية في الخليج .والولايات المتحدة تحاول إعادة الإمساك بشرايين التجارة والطاقة العالمية .بينما تعمل إيران على تكريس معادلة الردع الممتد من طهران حتى البحر المتوسط.

أما الدول العربية . فتقف أمام مفترق بالغ الخطورة ؛ هل تتحول إلى ساحات تمركز ضمن الحرب القادمة؟ أم تنجح في إنتاج توازن يحميها من أن تكون مجرد خطوط تماس بين المشاريع الكبرى؟

ذلك أن الشرق الأوسط الجديد لا يُبنى الآن بالمؤتمرات ولا بالبيانات الدبلوماسية .بل بمن يملك القدرة على التحكم بالمضائق والطاقة والسماء والخوف.