علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي
تشكل التطورات العسكرية المتسارعة في مضيق هرمز ومياه بحر عمان لحظة مفصلية فارقة في الصراع الأمريكي الإيراني، إذ إن عملية القوات الخاصة الإيرانية الخاطفة التي بثها التلفزيون الرسمي التي استهدفت ناقلة النفط أوشن كوي ليست مجرد رد فعل آلي على الاستهداف الأمريكي المزعوم لجزيرة قشم، بل هي تجسيد ميداني لاستراتيجية هجومية جديدة تحولت بموجبها طهران من مربع الصبر الاستراتيجي والالتفاف الدبلوماسي إلى مربع الردع النشط القائم على إملاء قواعد الاشتباك بالقوة.
وما يعزز هذا الاستنتاج أن تزامن احتجاز الناقلة مع نجاح ثلاث ناقلات إيرانية في اختراق الحصار البحري الأمريكي يمثل اختراقاً استخباراتياً ولوجستياً يثبت أن التهديد العلني بغلق المضيق لم يعد الورقة الوحيدة في جعبة طهران. بل أصبح لديها هامش مناورة عسكري يمكّنها من التعامل مع التهديد البحري كحالة صراع مفتوح قابل للتصعيد التدريجي لا كحالة حصار خانق تستدعي الانكفاء.
في الجانب الآخر تكشف ردة الفعل الأمريكية المتسرعة حيال حادثة السفينة الكورية إتش إم إم نامو عن مأزق حقيقي يواجه مشروع الحرية الذي يرفع الرئيس ترامب رايته . فالقفز نحو اتهام إيران بإطلاق النار دون انتظار نتائج التحقيق الفني في دبي وتوظيف الحادثة لحث سول على الانضمام للتحالف العسكري يؤشران إلى رغبة جامحة في تحشيد جبهة دولية تبرر ضغوطاً أمنية أوسع.
لكن ارتدادات هذا التكتيك بدت عكسية حين أعلنت كوريا الجنوبية تعليق قرار انضمامها للمرافقة العسكرية إلى حين استكمال التحقيقات . مما يفضح هشاشة السردية الأمريكية ويضعف مصداقيتها أمام حلفائها الإقليميين . وهذا التناقض بين التصعيد الميداني والتعثر في بناء الإجماع السياسي هو ما يبقي باب التأويل مفتوحاً حول ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تنشد فعلاً مواجهة شاملة أم أنها تختبر حدود القوة الإيرانية لتحسين شروطها في أي مسار تفاوضي مؤجل.
أما الإشارة الإيرانية المبطنة إلى تورط الإمارات في الاستهداف الأخير فهي تنطوي على رسالة تصعيد إقليمي بالغة الدلالة. إذ أن ربط أبوظبي بالعمليات العسكرية ضد ناقلات النفط الإيرانية يخرج المواجهة من ثنائية واشنطن وطهران ويفتح الباب أمام سيناريو انتقامي موجع يستهدف المصالح الإماراتية في بيئة جغرافية بالغة التعقيد، وهو سيناريو يدرك صانع القرار الإيراني أنه قادر على خلط الأوراق الإقليمية وإجبار دول الخليج على مراجعة حسابات انخراطها في التحالف العسكري مع واشنطن.
ومن هنا فإن تصوير الأزمة كمجرد جولة ساخنة أخرى في حرب الناقلات قد يكون اختزالاً مفرطاً لحقيقة أن ما يجري هو إعادة تشكيل عميق لخريطة التهديدات المتبادلة في الشرق الأوسط . حيث بات المضيق نفسه مسرحاً لاختبار الفرضيات العسكرية قبل أن يكون ممراً للملاحة.
إن المشهد الحالي وهو يتأرجح بين احتجاز الناقلات واختراق الحصار وتعليق التحالفات لا يقدم إجابة حاسمة عن السؤال الأصعب حول ما إذا كنا أمام حرب وشيكة أم ضغط تفاوضي عنيف . لكنه يثبت بصورة قاطعة أن قواعد اللعبة القديمة التي كانت تضبط إيقاع التصعيد والتهدئة قد انهارت تماماً وأن الساعات المقبلة ستختبر قدرة الطرفين على احتواء الديناميكيات الميدانية قبل أن تفلت السيطرة على المشهد بالكامل وتتحول الاشتباكات المحسوبة في هرمز إلى حريق إقليمي لا تبقي فيه طبول الحرب مجالاً لصوت العقل.

