علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي
لم يعد الفساد في العراق ممارسة هامشية أو تجاوزات متفرقة. بل تطور إلى ما يشبه مؤسسة موازية تمتلك المال والنفوذ والسلاح والعلاقات. إنه كيان احترف الاستيلاء على موارد الدولة. محولاً المؤسسات السيادية إلى قطاعات حزبية ومكاتب اقتصادية. تتقاسم العقود والعمولات تحت مسميات مختلفة.
تكشف ملفات مصافي الشمال وما سبقها من فضائح كبرى أن ما يجري ليس فساد أفراد. بل فساد منظومة كاملة.
الأرقام تتحدث بوضوح. عقود بمليارات الدنانير. ومشاريع تتضاعف كلفتها عشرات المرات من أموال عامة. تتحول إلى حسابات خاصة وعملة صعبة تبني عقارات واستثمارات خارج الحدود. فيما يواصل المواطن العادي بحثه عن وظيفة أو خدمة أو حياة كريمة. هذا التدفق المالي المعاكس يمثل نزيفاً مزدوجاً. استنزاف للموارد العامة وحرمان للتنمية الداخلية.
تكشف التطورات الأخيرة أن الخلافات السياسية المعلنة تخفي واقعاً مغايراً تماماً. فبينما يتبادل الفرقاء الاتهامات أمام الشاشات. تظل الغرف المغلقة مسرحاً لتقاسم النفوذ والحصص. ليست الصراعات الظاهرة سوى تنافس على حجم الغنيمة. لا على مبدأ أو عقيدة. وهو ما يفسر استمرار المنظومة ذاتها رغم تغير الوجوه والتحالفات.
تبرز قضية هاتف مسؤول واحد كمؤشر خطر على عمق المشكلة. فإذا كان جهاز واحد قد كشف هذا الحجم من العلاقات والأسماء والوسطاء والمصالح المتشابكة. يصبح السؤال مشروعاً. ماذا لو فتحت بقية الملفات. وماذا سيظهر لو خضعت جميع الرؤوس الكبيرة للمحاسبة الحقيقية.
تواجه الدولة اليوم اختباراً يتجاوز قضايا الفساد التقليدية. فالخيار أصبح واضحاً. إما دولة قانون تحاسب الجميع بلا استثناء. وإما دولة محاصصة تحمي الجميع على حساب الشعب.
في هذا السياق تبقى الثقة معقودة على القضاء العراقي. والمجلس الأعلى للقضاء. وهيئة النزاهة. لتقول كلمتها بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية.

