د.احمد علي الكناني – سفير عراقي
في خضم الحراك السياسي والرقابي الذي تشهده البلاد عاد مجلس النواب إلى عقد جلسات استضافة ومناقشة لملفات تتعلق بالمخالفات المالية والإدارية وفي مقدمتها ما يرتبط بتقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن أهمية هذه الجلسات وإنما عن توقيتها.
فلماذا يتحرك مجلس النواب الآن؟ وأين كان طوال السنوات الماضية؟
إن ديوان الرقابة المالية الاتحادي ليس دائرة تنفيذية عادية بل هو أعلى جهاز رقابي في الدولة وأحد أهم المؤسسات التي يعتمد عليها مجلس النواب في ممارسة اختصاصه الدستوري بالرقابة على أداء السلطة التنفيذية. ولهذا السبب يرفع الديوان تقاريره السنوية إلى الرئاسات الثلاث ومنها مجلس النواب لتكون أساساً للمساءلة والمحاسبة والإصلاح.
وهنا تكمن المفارقة.
فإذا كانت التقارير السنوية تصل إلى مجلس النواب بصورة منتظمة وتتضمن ملاحظات ومخالفات تتعلق بإدارة المال العام فلماذا لم تتحول هذه التقارير إلى استجوابات أو لجان تحقيق أو إجراءات رقابية حقيقية في وقتها؟ ولماذا بقيت تلك التقارير لسنوات دون أن نشهد حراكاً برلمانياً يتناسب مع خطورة ما ورد فيها؟
إن الرقابة البرلمانية لا تقاس بعدد جلسات الاستضافة وإنما بقدرتها على منع الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة. فالاستضافة بعد سنوات من وقوع المخالفات لا تعوض غياب الرقابة في حينها ولا تعفي السلطة التشريعية من مسؤوليتها الدستورية.
واليوم ومع تصاعد إجراءات الحكومة في ملاحقة ملفات الفساد يبرز تساؤل مشروع: هل جاءت تحركات مجلس النواب استجابةً لمسؤوليته الرقابية أم أنها محاولة متأخرة للحاق بملفات بدأت السلطة التنفيذية بفتحها؟ وهل يمكن للبرلمان أن ينأى بنفسه عن مسؤولية سنوات من الصمت بينما كانت تقارير ديوان الرقابة المالية بين يديه؟
إن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها فمجلس النواب هو الجهة الدستورية المختصة بمراقبة أداء السلطة التنفيذية وهو الذي يمتلك صلاحيات الاستضافة والاستجواب وتشكيل لجان التحقيق وسحب الثقة عند الاقتضاء. وإذا كانت المخالفات موثقة في تقارير رسمية فإن السكوت عنها لسنوات يثير تساؤلات لا تقل أهمية عن المخالفات نفسها.
ولا تقف الإشكالية عند هذا الحد بل تمتد إلى استقلال المؤسسة الرقابية ذاتها.
فديوان الرقابة المالية هو عين السلطة التشريعية في حماية المال العام ولذلك رسم القانون آلية خاصة لتعيين رئيس الديوان تقوم على موافقة مجلس النواب بما يعزز استقلاله ويحصنه من التأثيرات السياسية. وإذا استمر المنصب لفترات طويلة بالتكليف أو بالوكالة فإن ذلك لا يثير التساؤل بشأن السلطة التنفيذية وحدها بل يضع مجلس النواب أيضاً أمام مسؤولية مباشرة لأنه صاحب الدور الدستوري في استكمال هذا الاستحقاق وضمان استقلال أعلى جهاز رقابي في الدولة.
إن استقلال ديوان الرقابة المالية ليس امتيازاً إدارياً بل ضمانة دستورية لحماية المال العام. فلا يمكن أن يؤدي الديوان رسالته بأعلى درجات الفاعلية إذا بقيت آلية إدارة هذه المؤسسة محل جدل أو تأخير ولا يمكن للبرلمان أن يطالب برقابة قوية وهو لم يحسم أوضاع المؤسسة التي تمثل ذراعه الرقابية.
إن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الحكومة لكنها لا تكتمل إلا برقابة برلمانية حقيقية تمارس دورها في الوقت المناسب وتستند إلى تقارير ديوان الرقابة المالية لا إلى ردود الأفعال أو الضغوط السياسية أو الإعلامية.
واليوم لا ينتظر المواطن من مجلس النواب جلسات استضافة جديدة بقدر ما ينتظر إجابة واضحة عن سؤال بسيط:
إذا كانت تقارير ديوان الرقابة المالية تصل إلى المجلس كل عام فلماذا بقيت حبيسة الأدراج؟ ولماذا لم تتحرك أدوات الرقابة إلا بعد أن أصبحت بعض الملفات محل إجراءات حكومية وقضائية؟
إن محاربة الفساد لا تبدأ يوم تعقد جلسة استضافة بل تبدأ يوم يصل تقرير ديوان الرقابة المالية إلى مجلس النواب. ومنذ تلك اللحظة تبدأ مسؤولية السلطة التشريعية أمام الشعب ويبدأ معها اختبار حقيقي لمدى التزامها بواجبها الدستوري في حماية المال العام.
فالرقابة ليست حدثاً سياسياً عابراً بل التزام دستوري دائم. وإذا كان ديوان الرقابة المالية هو عين البرلمان على أداء السلطة التنفيذية فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: من كان يغلق هذه العين طوال السنوات الماضية ؟

