من الأزقة إلى الملاعب.. أين اختفى كشاف المواهب؟

أمين صباح زغير | كاتب رياضي عراقي

لم نعد نسمع كثيرًا بمقولة «المدرب الكشّاف» في كرة القدم، ذلك المدرب الذي كان يتواجد في كل مكان تُركل فيه الكرة، سواء في القرى والأرياف، أو الأزقة والمحلات، أو الأقضية والنواحي، أو الدورات المدرسية والرمضانية، وحتى الساحات الشعبية، بحثًا عن الموهبة الكروية التي تحتاجها الكرة العراقية، ليتم اكتشافها وصقلها من خلال دوري الفئات العمرية أو المدارس الكروية التخصصية في الأندية العراقية.

وخلال السنوات الأخيرة، اختفت أو انقرضت مهنة كشّاف المواهب في العراق، نتيجة عدم الاهتمام بها من قبل إدارات الأندية العراقية، واختفى دور الكشاف بشكل شبه كامل، مما أدى إلى قلة أعداد اللاعبين الموهوبين في الأندية، وانعكس ذلك سلبًا، بشكل أو بآخر، على واقع الكرة العراقية. إن تهميش دور الكشاف في الأندية العراقية يعني القضاء على المواهب الكروية، وجعلها تموت سريريًا، ومع ذلك لم نجد شخصًا رياضيًا جادًا حاول أن يعيد لهذا الدور أهميته أو يطالب بتفعيله من جديد.

سابقًا، كانت الأندية هي من تبحث وتنقّب عن اللاعبين الموهوبين، وتصل إليهم أينما كانوا، وكانت أغلب المواهب الكروية تُصقل بشكل جيد من قبل مدربين مختصين في اكتشافها، حتى أصبحوا نجومًا يُشار إليهم بالبنان.

أما في الوقت الحالي، فأصبحت الأندية تنتظر اللاعبين حتى يأتوا إليها، وهذا التفكير خاطئ بحد ذاته، وأسهم في تراجع الكرة العراقية عما كانت عليه في السنوات السابقة، بسبب عدم تفعيل دور الكشافين في الأندية، الأمر الذي أسهم في تراجع المواهب الكروية، واعتماد أغلب الأندية العراقية على شراء اللاعب الجاهز، في حين كانت الأندية سابقًا تخرج لنا في كل موسم مواهب عديدة ترفد بها فريقها الأول، أو تقوم بإعارتهم أو بيعهم إلى أندية أخرى.

مع الأسف، نشاهد اليوم أغلب المواهب الكروية سرعان ما تذبل وتختفي، بسبب اختفاء الملاعب العشبية، وكذلك بسبب تهميش دور الكشافين.

الإعلامي أمين شراد في عام 2018 هو من تبنّى مشروع الكشاف الرياضي، وحاول من خلال برنامجه «الكشاف» إعادة الروح إلى الكشافين، بعدما أهملتهم وخذلتهم وزارة الشباب والرياضة والأندية والاتحادات العراقية، وتركوهم يحتضرون، بقصد أو من دون قصد.

علينا أن نسأل أنفسنا، وبكل صراحة: كم من موهبة كروية في مدينتك أو قضائك أو محافظتك برزت وظهرت، لكنها سرعان ما تلاشت وذبُلت واختفت، بسبب عدم وجود من يحتضنها ويصقلها، ويرشدها إلى أساسيات كرة القدم، ويضعها على الطريق الكروي الصحيح؟

وأيضًا، كم من موهبة كروية موجودة في وقتنا الحالي تحتاج إلى من يكتشفها ويطورها ويأخذ بيدها إلى الأندية الكروية، من أجل زجّها في المدارس الكروية ودوري الفئات العمرية؟

لقد أعادنا الزميل أمين شراد، وهو مدرب وليس إعلاميًا فقط، من خلال برنامجه، إلى ذكريات المرحوم الكابتن عمو بابا، وكيف كان يتجول في الأزقة والمحلات والقرى والأرياف من أجل اكتشاف اللاعبين الموهوبين المغمورين الذين لم تسنح لهم الفرصة لإظهار مواهبهم، ولم يجدوا من يكتشفهم ويأخذ بأيديهم إلى الأندية.

وقد كان لبرنامجه دور في ظهور واكتشاف بعض المواهب التي كانت مغمورة وبحاجة إلى من يكتشفها ويسلط الضوء عليها، حيث تألقت هذه الأسماء في مباريات البرنامج، ومن ثم شاهدناها في دورينا، وكان لها حضور ودور مهم مع أنديتها، مثل رضا فاضل لاعب النجف ومنتخبنا الأولمبي، ومجتبى خليل الذي مثل منتخب الشباب والديوانية، وسجاد خليل لاعب الكهرباء، ومحمد رضا لاعب الكرخ، ومحمد إحسان، وقاسم رحيم، وعبد العزيز، وغيرهم من الأسماء المهمة في خارطة الدوري.

وجهة نظر: أقول إنه لا يوجد فرق كبير بين هدف وعمل المدرب «الكشاف» وبين صاحب مهنة التنقيب عن الذهب؛ فكلاهما يبحث عن «الجوهرة الثمينة» التي تحتاج إلى صياغة فقط، من أجل عرضها في الأسواق أو تسويقها والاستفادة منها.

وأخيرًا، أطالب وزارة الشباب والرياضة ورؤساء الأندية والاتحاد العراقي لكرة القدم بالاستفادة من تجربة برنامج «الكشاف»، وإعادة تجربته، وأن تكون هناك وقفة جادة وحقيقية من أجل إعادة تفعيل دور المدرب الكشاف في الأندية، وتفعيل وزيادة المدارس الكروية النموذجية بشكل حقيقي وجاد، من أجل المساهمة في تطوير الكرة العراقية ورفدها بالمواهب الكروية باستمرار، والاستفادة من اللاعبين الذين سيبرزون، لغرض استقطابهم والاستفادة منهم مع فرقهم، حتى ولو براتب بسيط أو بعقد رمزي.

ملاحظة:

* في الدوري الإسباني، يمتلك نادي إشبيلية شبكة استكشافية عالمية تضم نحو 40 كشّافًا.
* وفي الدوري الإنكليزي، يمتلك نادي ليستر سيتي أكثر من 40 كشّافًا في منطقة الشمال الغربي.
* أما نادي مانشستر يونايتد، فقد قام في الآونة الأخيرة بتجديد نظام الكشافة، حيث عيّن أكثر من 50 موظفًا ومدربًا، بسبب القلق من أن النادي بدأ يتخلف عن ركب الأندية الإنكليزية الأخرى في مجال الكشافين