حين تتحول البصمة لفضيحة دولة .. كهرباء الصدر تكشف خريطة اللصوص الكبرى

نبيل رحيم العبادي

د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي

ما جرى في كهرباء الصدر لم يكن حادثة فساد عابرة يمكن طي صفحتها بجلسة تحقيق روتينية أو بيان استنكار من جهة حكومية، بل هو انكشاف مرعب للطبقة العميقة من المرض الذي ينخر جسد الدولة العراقية منذ سنوات. فالحديث هنا لا يجوز أن يدور حول ترهل وظيفي أو خلل إداري، بل نحن أمام اقتصاد كامل يعمل لصالح شبكات إجرامية منظمة داخل مؤسسات يُفترض أنها تحمي المال العام وتدافع عن لقمة عيش الفقراء.

ما كشفته قصة الشاب والفتاة اللذين فوجئا بأن اسميهما مسجلان في ملاك دائرة حكومية منذ سنوات، دون أن يعملا فيها يوماً واحداً، ليس مجرد احتيال فردي، بل هو نموذج مصغر لكارثة وطنية أوسع. فألف وثمانمئة بطاقة صرف، تجاوزت قيمتها مليار دينار شهرياً، تعني أن هناك جيشاً كاملاً من الموظفين الوهميين يلتهم الموازنة العامة بصمت، بينما يقف المواطن الحقيقي في طوابير العوز والحرمان.

الأخطر من ذلك أن التحقيقات الأولية أشارت إلى أن الخلية لم تكن معزولة، بل امتدت خيوطها إلى مناطق متعددة في كسرة وعطش ومدينة الصدر والبنوك والبلديات، وأن اعترافات المتهمين أطاحت بأسماء شخصيات وقيادات نافذة. وهذا يعني أن ما جرى ليس سرقة راتب موظف بسيط، بل هو استيلاء منظم على أموال الشعب لتمويل نفوذ سياسي وحزبي، وربما أبعد من ذلك بكثير.

هنا يجب أن تتوقف اللغة الناعمة، وأن يُعاد تصنيف الجريمة كلياً. فالاستيلاء على أكثر من مليار دينار شهرياً من رواتب الفقراء لا يندرج فقط تحت قانون العقوبات، بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه ضرباً لاستقرار الدولة واقتصادها، تماماً كما تضرب الجماعات الإرهابية البنى التحتية. فالسرقة المنظمة لرواتب الموظفين على هذا النطاق الواسع تمويل خفي لقوى تسعى إلى إضعاف الدولة وإبقائها رهينة للفساد والفوضى.

ولذلك، فإن الحلول الجذرية لا يمكن أن تبدأ من قرارات البصمة الشاملة وحدها، رغم أهميتها، بل لا بد من فتح تحقيق دولي متخصص في تتبع الأموال، بالتعاون مع البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال، لتحديد أين ذهبت هذه المليارات شهرياً، ومصادرة كل ما تم شراؤه من عقارات وسيارات وحوالات مالية لعائلات المعتقلين. فاللص الذي عاش سنوات على رواتب مسروقة لا يحق له أن يخرج ليعيش في رفاهية.

كما أن إلغاء نظام «كي كارد» الحالي أو تقييده بالبصمة الحيوية الفورية أصبح ضرورة ملحة. فما دامت بطاقة الراتب تُصرف دون ربط ببصمة حية وصورة موظف حقيقي يراجع الدائرة شهرياً، سيبقى الاحتيال ممكناً. والمطلوب التحول إلى حسابات مصرفية فعلية لكل موظف، مع ربط الصرف ببصمة إلكترونية تطابق قاعدة بيانات الأحوال المدنية والبطاقة الوطنية، ولا تقبل أي معاملة صرف لاحقاً إلا بالتحقق الوجهي الكامل.

ولا يمكن القبول باستمرار النظام القضائي التقليدي البطيء في ملفات بهذا الحجم. فالعراق بحاجة إلى محكمة فساد كبرى استثنائية تنظر في قضايا الفساد الكبرى خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، وتصدر أحكاماً علنية مذاعة، لأن غياب العلانية هو ما شجع الآلاف على السرقة والاستيلاء.

وفي الملف العقابي، فإن المطالب الشعبية والقانونية يجب أن تتركز على إنزال عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد، بموجب قانون مكافحة الإرهاب، لكل من ثبت أنه مدير أو ممول للشبكة، خاصة أولئك المرتبطين بأحزاب وجهات مسلحة، ومصادرة أموال المدانين وعوائلهم من الدرجة الأولى حتى يثبتوا مصادر أموالهم، وعزل كل مسؤول حكومي، من مدير عام فما فوق، ثبت أنه كان يعلم أو كان يستطيع أن يعلم ولم يتحرك. فالتقاعس هنا جريمة تواطؤ.

كما يجب حل وإقصاء أي حزب أو تيار سياسي تثبت إدارته أو تمويله لهذه الشبكات، فلا يمكن لحزب يسرق رواتب الفقراء أن يظل شريكاً في العملية السياسية، ومنع التعيين في الوظائف الحكومية نهائياً لمن يثبت استفادته، ولو بدينار واحد، من أموال مسروقة، مع إجبارهم على إعادة كل المبالغ.

في النهاية، فإن هذه الفضيحة تؤكد أن مشكلة الموازنة العراقية ليست فقط في حجم التوظيف، بل في الجريمة المنظمة داخل التوظيف. لذلك، لا معنى لأي خطة إصلاح مالي، مهما كانت عبقرية، إذا لم تُحسم هذه المعركة أولاً. ويجب أن يخرج من هذه القضية قرار وطني واحد: أن الموظف الوهمي عدو الدولة، وحامي الموظف الوهمي عدو أكبر، والمسروقات من المال العام تُعاد بالكامل إلى خزينة الشعب. وعندها فقط يمكن الحديث عن تقاعد مبكر وربط الأجر بالإنتاجية وهيكلة الرواتب. أما قبل ذلك، فكل خطة إصلاح مالي هي مجرد ورق يُحرق على مذبح اللصوص.