د. معراج الحديدي | عضو اكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد
كل حكومة عراقية تأتي إلى السلطة وهي تحمل معها منهاجاً حكومياً، وتقدم للمواطنين عناوين كبيرة للإصلاح والتغيير وتحسين الخدمات ومعالجة الاقتصاد ومحاربة الفساد، لكن التجربة العراقية خلال السنوات الماضية تقول إن المشكلة لم تكن في كتابة المنهاج بقدر ما كانت في تحويل ما كُتب على الورق إلى واقع يلمسه المواطن. ينتهي عمر الحكومات ولا جديد يُجد في الوضع السياسي والاقتصادي.
فلا كهرباء مستقرة تحققت بالشكل الذي يريده المواطن، ولا اقتصاد انتقل من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد منتج، ولا الفساد جُففت منابعه ومصادره، ولا كل من تورط بالمال العام وصل إلى المساءلة.
وهنا تبدأ الحكاية نفسها مع كل حكومة جديدة.
خلال الأيام المئة الأولى، تنشط الأدوات الإعلامية الحكومية في تقديم ما أنجزته الحكومة، وتتحول القرارات والاجتماعات والاتفاقيات إلى مادة يومية في الخطاب الإعلامي، وكأن المئة يوم الأولى أصبحت في كثير من الأحيان مناسبة لتسويق المنهاج أكثر من كونها مناسبة لاختبار نتائجه.
لكن بعد مرور مئة يوم يصبح السؤال الأكثر جدية:
ماذا تحقق فعلاً؟ وماذا بقي مجرد وعود؟
الحكومة الحالية ليست استثناءً من هذه القاعدة، فخلال المئة يوم الأولى لم تستطع أن تحقق تحولاً جذرياً في معظم الملفات الخدمية والاقتصادية، ولا يمكن لعاقل أن يقول إن المواطن لمس حتى الآن تغييراً كبيراً في الكهرباء أو الاقتصاد أو على مستوى الخدمات، على الرغم من صعوبة الواقع الإقليمي والاقتصادي المرتبط بالجيوسياسي وما خلفته أزمة هرمز.
لكن في المقابل، هناك ملفان لا يمكن تجاهلهما عند تقييم هذه الحكومة، وهما مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة.
بالنسبة لملف الفساد، يبدو أن الحكومة اختارت الدخول إلى منطقة شديدة الحساسية، وبدأت الرحلة من مستويات داخل الجهاز الحكومي قبل أن تتوسع التحقيقات والاعتقالات لتصل إلى شخصيات ومساحات سياسية أكثر حساسية. وقد أعلنت الحكومة أن حملة مكافحة الفساد ليست مرحلة واحدة، بل مساراً مستمراً لاسترداد المال العام، فيما تحدثت تقارير عن توقيف عشرات المتهمين. وهنا تحديداً تكمن أهمية المشهد.
إذا كان الفساد منظومة، فلا يمكن القضاء عليه بإسقاط موظف أو مسؤول واحد، فالفساد لا يجف منبعه باعتقال حلقة واحدة من حلقاته، وإنما عندما تصل الدولة إلى مصادر التمويل وشبكات النفوذ والغطاء السياسي والموظفين والمسؤولين الذين سمحوا باستمرار هذه المنظومة. أما إذا توقفت الحملة عند حدود معينة، فسيتحول ملف مكافحة الفساد مرة أخرى إلى عنوان إعلامي ينتهي بانتهاء الزخم السياسي.
أما الملف الثاني فهو حصر السلاح بيد الدولة.
وهذا الملف ليس سهلاً، ولا يمكن التعامل معه كقرار إداري عادي. الحكومة وضعت نفسها أمام اختبار سياسي وأمني كبير، خصوصاً في ظل البيئة الإقليمية المعقدة، وأعلنت العمل على إنهاء السلاح خارج مؤسسات الدولة، مع تحديد مسار زمني لهذا الملف، آخره 30/9/2026.
وقد يكون من المبكر الحكم على نجاح الحكومة في هذا الملف، لأن النجاح هنا لا يقاس بالتصريحات، وإنما بما ستصل إليه الدولة فعلياً على الأرض.
بالمقابل، مجرد وضع هذا الملف في مقدمة أولويات الحكومة يُحسب لها، لأن الحكومات العراقية السابقة كثيراً ما تعاملت معه باعتباره ملفاً مؤجلاً أو شديد الحساسية، وهنا أيضاً يجب أن يكون التقييم بعيداً عن المواقف السياسية.
هل تستطيع الحكومة تحويل شعار حصر السلاح إلى واقع قانوني ومؤسساتي من دون الذهاب بالعراق إلى مواجهة داخلية؟ هذه هي المعادلة الصعبة.
بعد مرور مئة يوم، لا يمكن أن نقول هل نجحت الحكومة أم فشلت؟
فمئة يوم لا تكفي لإصلاح اقتصاد عمره عقود، ولا لإنهاء فساد متجذر، ولا لمعالجة أزمة كهرباء مزمنة، ولا لحسم ملف السلاح الذي ارتبط بتعقيدات سياسية وأمنية وإقليمية.
لكن السؤال الأهم بخصوص المنهاج الحكومي: هل انتقلت الحكومة من مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ؟ وهنا تبدأ المرحلة الحقيقية للسير على الأفعال لا الأقوال.

